قوله تعالى :
[ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 36 ]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 36 )
قوله : ( فإن التهديد لطف والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء ) فإن التهديد لطف أي من جهة كونه سببا للاحتراز عن المناهي ولامتثال أوامر الإله والتمييز بين المطيع والعاصي فيه إشارة إلى أن الخطاب للعاصين منهما بالجزاء ناظر إلى المطيع .
قوله : ( والانتقام من الكفار ) فعصاة الموحدين داخلون في المطيعين أو حالهم مسكوت عنها .
قوله : ( من عداد الآلاء ) بأن فيه العبر والمواعظ للمعتبرين والانتقام للأنبياء والمؤمنين .
قوله تعالى :
[ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 37 ]
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ ( 37 )
قوله : ( فإذا انشقت السماء ) أي بسبب طلوع الغمام المشار إليه بقوله تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ
[ البقرة : 210 ] الآية واختيار إذا الشرطية مع الماضي لتحقق وقوعه والجواب محذوف أي وقع ما وقع مما لا يضبطه القلم أو رأيت أمرا هائلا والفاء لإفادة أن ما قبلها من إرسال الشواظ سبب لحدوث أمر هائل أو رؤيته في ذلك كذا قيل والظاهر أن إرسال الشواظ بعد انشقاق السماء فالفاء حينئذ داخل في السبب نعم ذلك ظاهر في الرؤية في ذلك الوقت وأما الحدوث فبالعكس إلا أن يقدر المضاف أي سبب للعلم بحدوث أمر هائل لا سبب لحدوث أمر هائل في نفسه فلا تغفل .
قوله : ( أي حمراء كوردة ) أي الكلام تشبيه بليغ .
قوله : ( وقرئت بالرفع على كان التامة فيكون من باب التجريد ) أي التجريد في اصطلاح البديع وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة أمر آخر مثلها ويستعمل بمن مثل قوله لي من فلان صديق وبفي كقوله تعالى :
لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ
[ فصلت : 28 ] وهنا يحتمل أن يكون المعنى فكانت أي وجدت منها وردة أو فيها وردة مع أن المقصود أن نفسها وردة كما في قراءة النصب وإنما احتاج إلى التجريد لأنه لما كان وردة مرفوعة لم يوجد ربطها في السماء فلا جرم في الربط بها من تقدير الضمير إما بمن أو في كما عرفته .
قوله : فإن التهديد لطف بيان لوجه ترتب
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
[ الرحمن : 30 ] على النعمة ولما خفي معنى النعمة في قوله :
يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ
[ الرحمن : 35 ] الآية بين رحمه اللّه أن الآية واردة للتهديد الموجب للزجر عن المعاصي الذي هو عين اللطف .
قوله : فيكون من باب التجريد والتجريد في عرف البلغاء هو أن ينتزع من شيء ذي صفة شيء آخر مثله فيها لكمالها فيه فجرد ههنا من السماء شيء يسمى وردة وهي هي كما جرد الشاعر من نفسه كريما مبالغة في كرمه فإن قيل ما في البيت من باب الالتفات من المتكلم إلى الغيبة أجيب بأن الالتفات لا ينافي التجريد فيجوز اجتماعهما في بعض صور التجريد وما في الآية تجريد محض ليس من الالتفات في شيء .