تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
فيما قبل بالثقلين احترازا عن التكرار أو للتفنن وقيل لزيادة التقرير ولا يخفى ما فيه وقدم الجن لتقدم وجوده ولأنهم مشهورون بالقدرة على الأفاعيل الشاقة فقدم ليعلم أولا أنهم مع كونهم ذوي قدرة لا يقدرون على النجاة فضلا عن الإنس . قوله تعالى :

[ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 34 ]

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 34 ) قوله : ( أي من التنبيه والتحذير والمساهلة والعفو مع كمال القدرة ) أي من التنبيه مبني على الوجه الأول والتنبيه على عجزهم بقوله :
إِنِ اسْتَطَعْتُمْ
[ الرحمن : 33 ] والتحذير أي عن أخذه وعذاب بقوله :
فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ
[ الرحمن : 33 ] الخ والمساهلة مستفاد من سوق الكلام قوله مع كمال القدرة منفهم من خارج . قوله : ( أو مما نصب من المصاعد العقلية والمعارج النقلية ) أو مما نصب بناء على الوجه الثاني والمراد بالمصاعد العقلية البراهين العقلية وهي محال الصعود إلى ما في السماوات والأرض صعودا معنويا واعتبرها مصاعدا لما فيها من العلو لكونها موقوفا عليها للأدلة النقلية وجعل الأدلة النقلية معارج لأنهم يعرجون عليها بأفكارهم كما مر ففيهما استعارة مكنية وتخييلية فكن على بصيرة . قوله : ( فينفذون بها إلى ما فوق السماوات العلى ) فيستدلون بما فيها من أنواع البدائع على قوة أخذه ونكاله وكذا الحال في الأرض ولم يذكره اكتفاء بذكره فيما مر ولم يعكس إذ المصاعد والمعارج تناسب السماوات ولذا قيدها بالعلى مع أنها لم تذكر في النظم الكريم . قوله تعالى :

[ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 35 ]

يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ ( 35 ) قوله : ( لهب من نار ) ظرف لغو متعلق بيرسل جيء به للتهويل أو ظرف مستقر صفة لشواظ للتأكيد في التشديد والتهديد وإلا فالشواظ لا يكون إلا من النار والتنوين قوله : أي من التنبيه والتحذير والمساهلة والعفو مع كمال القدرة هذا ناظر إلى التفسير الأول من تفسيري قوله :
إِلَّا بِسُلْطانٍ
[ الرحمن : 33 ] وهو أن يكون المعنى لا تنفذون إلا بقوة وقهر وليس فيكم ذلك معنى التنبيه مستفاد من الأمر التعجيزي في قوله :
فَانْفُذُوا
[ الرحمن : 33 ] فإنهم يعلمون أنهم عاجزون عن النفوذ من أقطار السماوات والأرض للهرب من قضاء اللّه تعالى ومع علمهم بذلك يمكن أن تذهلوا عنه فنبههم اللّه على ذلك بقوله :
فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ
[ الرحمن : 33 ] وأنى لكم ذلك ومعنى التحذير مستفاد أيضا من دلالة الآية على عجزهم عن الفرار وأنهم مقهورون تحت قدرته القاهرة فكأنه قيل لا مهرب لكم ولا مفر من حكمي وقضائي ومعنى المساهلة والعفو مستفاد من ذلك أيضا لإفادته أنهم مع كونهم مقهورين في قبضة قدر اللّه تعالى وعجزهم عن الهرب من قضائه تعالى يسامحهم اللّه ويعفو عنهم ويرزقهم ويمدهم في العمر مع كمال قدرته على تعذيبهم على معاصيهم والانتقام منهم وقوله أو مما نصب من المصاعد العقلية الخ ناظر إلى التفسير الثاني من تفسيري
فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ
[ الرحمن : 33 ] وهو أن يكون معناه إن قدرتم أن تنفذوا لتعلموا ما في السماوات والأرض فانفذوا لتعلموا الخ .