قوله : ( فقدم ما هو أصل النعم الدينية وأجلها وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه ) بيان إنعامه بالقرآن وتعليمه وهو منطوق وأما الإنزال فثابت باقتضاء النص فإن الإنزال لازم متقدم والتعليم يوجد بالإنزال وإسناد التعليم إليه تعالى صحيح وإن لم يصح إطلاق المعلم عليه تعالى .
قوله : ( فإنه أساس الدين ) أي ما يبتنى عليه الدين فالأساس مستعار له .
قوله : ( ومنشأ الشرع وأعظم الوحي وأعز الكتب إذ هو بإعجازه واشتماله على خلاصتها مصدق لنفسه ومصداق لها ) ومنشأ الشرع إما عطف تفسير له إن أريد بالدين والشرع معنى واحد عام للأصول والفروع وإن أريد بالدين الأصول وبالشرع الفروع فالعطف عطف المغاير وأعظم الوحي إذ الوحي عام لغير المتلو أيضا وهو السنة والوحي المتلو أعظم رتبة وأعلى شأنا حيث كان مرجعا للغير المتلو وأعز الكتب أي أفضل الكتب السماوية فإنه معجز ببلاغته فهو باعجازه دون سائر الكتب الإلهية واشتماله على خلاصتها وهي التوحيد وسائر الاعتقاديات وبعض الفروع التي لم تنسخ في شرع ما والمواعظ ونحوها مصدق لنفسه ناظر إلى الإعجاز بالبلاغة ومصداق لها أي لسائر الكتب ناظر إلى اشتماله على خلاصتها ومصداق أي ما يصدق لها .
قوله : ( ثم اتبعه قوله :
خَلَقَ الْإِنْسانَ
[ الرحمن : 3 ] الآية ) أي ذكر عقيب ذكر إنزال القرآن وتعليمه المقدم ذكرا لتقدمه شرفا خلق الإنسان وإن كان خلق الإنسان مقدما وجودا على إنزال القرآن على رسولنا عليه السّلام .
قوله تعالى :
[ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 3 إلى 4 ]
خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 )
قوله : ( إيماء ) مفعول له مسوق لتعليل ذكره بعد من غير فاصل وإنما عدي الإيماء بالباء مع أن تعديته بإلى لتضمنه معنى الإشعار أو الباء بمعنى إلى والعلة تحصيلية .
قوله : ( بأن خلق البشر ) التعبير بالبشر للتحاشي عن التكرار .
قوله : ( وما يميز به عن سائر الحيوانات ) عطف على خلق البشر .
قوله : ( من البيان ) بيان لما اختير الإطناب لأن التفصيل بعد الاجمال أوقع في النفوس .
قوله : ( وهو التعبير عما في الضمير وإفهام الغير لما أدركه ) وهذا إنما يكون بالعقل الذي يميز الإنسان عن سائر الحيوان فلا إشكال بأن الامتياز بالعقل دون البيان إذ التعبير عما في الضمير إنما هو بالنطق الباطني وهو الإدراك الكلي بالقوة العاقلة وإلى ما ذكرناه أشار المصنف بقوله وإفهام الغير لما أدركه ولم يكتف بقوله وهو التعبير عما في الضمير قوله وإفهام الغير إشارة إلى أنه ليس المراد بتعليمه مجرد تمكن الإنسان من بيان نفسه بل منه ومن فهم بيان غيره أيضا إذ هو يدور عليه تعاون الناس وتشاركهم في تحصيل الغذاء واللباس والمسكن وغيرها وأيضا يدور عليه تعليم القرآن وسائر الأحكام فاتضح من هذا البيان ارتباطه بقوله :
خَلَقَ الْإِنْسانَ
[ الرحمن : 3 ]
عَلَّمَ الْقُرْآنَ
[ الرحمن : 2 ] وكونه أعظم النعم والإحسان .