تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
قوله : ( لتلقي الوحي ) خبر لقوله بأن خلق البشر وفي قوله لتلقي الوحي دون لتلقي القرآن إشارة إلى أن الحكم عام من لدن آدم إلى قيام الساعة أو المراد بتلقي الوحي وحي القرآن كما هو مقتضى السوق فحينئذ يعرف حال من عدا الأمة المرحومة بدلالة النص . قوله : ( وتعرف الحق وتعلم الشرع ) وتعرف الحق أي أصول الدين وتعلم الشرع أي فروع الأحكام تفصيل لتلقي الوحي . قوله : ( وإخلاء الجمل الثلاث التي هي أخبار مترادفة للرحمن عن العاطف ) أي عدم ذكر العاطف في الجمل الثلاث بأن يعطف الجملة الثانية على الجملة الأولى والثالثة على الثانية فالجمل الثلاث خالية عن العاطف بأن لم يذكر العاطف بينها وهذا صادق على ما من شأنه أن يكون معطوفا عليه ومعطوفا ولا يقتضي أن يكون معطوفا حتى يرد أن الأولى لا يصح عطفها فكان عليه أنه إخلاء الجملتين إذ الخلو عنه بعدم كونه معطوفا عليه وعدم كونه معطوفا ولهذه الدقة اختار الجمل الثلاث على الجملتين تبعا للكشاف بتغيير يسير وصاحب الإرشاد بنى الكلام على ظاهره فقال إخلاء الجملتين عن العاطف . قوله : ( لمجيئها على نهج التعديد ) للإشارة إلى أن كلا منها نعمة على حيالها غير تابعة لغيرها في كونها نعمة ولو كانت مسرودة على العطف لربما يتوهم أنها نعمة من حيث المجموع وإن أمكن دفعه بالقرائن وإنما قال على نهج التعديد أي على طريقته لأنها ليست مسرودة على التعداد بل على طرزه لأن ما هو على التعديد هو الذي يراد لفظه وهنا ليس كذلك ولم يلتفت إلى كون الرحمن خبر مبتدأ محذوف أي اللّه الرحمن وما بعده مستأنف لتعديد نعمه لأنه خلاف الظاهر لاحتياجه إلى التقدير وأيضا ليس في الخبر كثير فائدة وأيضا أن ما اختاره المصنف يفيد أن الأفعال المذكورة منشؤها الرحمة الواسعة دون ما ذكر وتعليم القرآن من النعم الدينية وخلق الإنسان من النعم الدنيوية البدنية الموهبية وتعليم البيان من النعم الدنيوية الروحانية الوهبية مع الكسب في تمام البيان لأن افهام غيره لما ادركه من تمام البيان والإدراك أكثره بالكسب . قوله : لتلقى الوحي خبر أن يعني اتبع قوله :
خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ
[ الرحمن : 3 ، 4 ] قوله :
عَلَّمَ الْقُرْآنَ
[ الرحمن : 2 ] مع أن خلق الإنسان مقدم في الوجود على تعليمه القرآن إيماء بأن المقصود الأولى من خلق الإنسان تعليم ما به يرشد إلى ما خلق له من العبادة كقوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] وخص القرآن بالذكر لأنه أعظم وحي اللّه تعالى رتبة وأعلى منزلة وأجمع ما يراد بالهداية من الكتب السماوية إذ هو بإعجازه واشتماله على مكارم الأخلاق مصدق لنفسه ومصداق لها ودل اختصاص ذكر الرحمن على أنه من جلائل النعم وعظائمها وإنما أردف الإنسان ذكر البيان لينبه على أن اختصاصه بتلك النعمة السنية من بين سائر الحيوانات لتميزه وتعبيره عما في ضميره بالنطق لإفهام الغير . قوله : وإخلاء الجمل الثلاث الخ يريد بيان وجه ترك العاطف بين هذه الأفعال الثلاثة التي هي أخبار مترادفة للمبتدأ الذي هو لفظ الرحمن فإخلاؤها عن العاطف لمجيئها على نمط التعديد كما تقول زيد أغناك بعد فقر أعزك بعد ذل كثرك بعد قلة فعل بك ما لم يفعل بأحد فما تنكر من إحسانه .