لكن لا ريب في جريانهما فيها وجميع ما خلقه اللّه تعالى مكتوب في اللوح كما صرح به في قوله تعالى :
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
[ القمر : 49 ] ولعل تخصيصها بالذكر لمناسبتها بما قبله ويتضح منه أن الوجه الأول في قوله تعالى :
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
[ القمر : 49 ] هو المعنى المعول إذ المعنى الثاني مفهوم من هذه الآية قيل لم يختلف في رفعه قالوا لأن نصبه يؤدي إلى فساد المعنى لأنك لو نصبته كان التقدير فعلوا كل شيء في الزبر وهو خلاف الواقع وأما الرفع فمعناه أن كل ما فعلوه ثابت في الزبر وهو المقصود فلذلك اتفق على رفعه وهو من دقائق العربية انتهى قوله فلذلك اتفق على رفعه معناه فلذلك نقل عن النبي عليه السّلام الرفع فقط ولذلك اتفق القراء على الرفع .
قوله : ( مسطور في اللوح ) أي مكتوب من السطر بمعنى الكتب وأشار إلى أن الافتعال بمعنى الثلاثي .
قوله تعالى :
[ سورة القمر ( 54 ) : آية 54 ]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ( 54 )
قوله : ( إن المتقين ) أي الموحدين بقرينة مقابلته بالمجرمين أي الكافرين فالمراد أدنى المراتب من التقوى أو الوسطى منها وهو الاجتناب عن الكبائر فيبقى أحوال عصاة المسلمين مسكوتا عنها كما في أكثر المواضع قد جرت العادة الإلهية على أن يشفع الترهيب بالترغيب تنشيطا لاكتساب ما ينجي وتثبيطا عن اقتراف ما يروي ولم يعطف قصة المتقين على قصة المجرمين لتباين ما هو الغرض منهما في جنات ونهر الظرف في الأول حقيقة وفي الثاني مجاز إذ المعنى أن المتقين في جنات تجري من تحتها الأنهار ولا يراد ظرفيته حقيقة فهو أبلغ مما ذكر .
قوله : ( أنهار ) أي أنهار من ماء وأنهار من لبن وأنهار من خمر وأنهار من عسل مصفى .
قوله : ( واكتفى باسم الجنس ) لرعاية الفاصلة وهو وإن كان مفردا لفظا لكنه جمع معنى إذ المراد الماهية من حيث تحققها في ضمن أفراد كثيرة بقرينة جنات .
قوله : ( أو سعة ) قال المصنف في سورة البقرة والنهر بالفتح والسكون المجرى الواسع فوق الجدول دون البحر كالنيل والفرات والتركيب للسعة انتهى ولذا قال أو السعة فالمراد سعة الرزق والمعيشة فالمراد أصل معناه وقدم الأول لأنه معنى عرفي مشهور بحيث لا يفهم غيره بدون قرينة .
قوله : ( أو ضياء من النهار ) استعارة بتشبيه الضياء المنير بالماء المتدفق من منبعه في كثرة الفوائد وسبب النجاة والمراد الظل الممدود لا يتقلص أصلا قال تعالى :
لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً
[ الإنسان : 13 ] قوله من النهار بيان للضياء إذ النهار هو الضياء على قول كما صرح به صاحب اللباب أو الزمان فيه الضياء فحينئذ يكون من ابتدائية أي منشؤه النهار .
قوله : ( وقرىء بسكون الهاء وبضم النون وسكون الهاء جمع نهر كأسد وأسد ) فحينئذ لا يحتاج إلى قوله اكتفى باسم الجنس كأسد بفتحتين أو بسكون السين مفرد وأسد بضمتين