عطف على الوجوه أو على أقوى الوجوه كما يشعر به إعادة عن ومآل الكل واحد .
قوله : ( كأنكم تنفعوننا نفع السانح فتبعناكم ) كأنكم تنفعوننا كونه متعلقا بجميع ما تقدم أولى من تعلقه بالأخير فقط قوله نفع السانح وهو ما أتاك من يمينك من طائر ضد البارح وهو الطائر الذي اتاك من يسارك نفع السانح على زعمهم وكذا ضد البارح فالمصنف فسر كلامهم على وفق اعتقادهم وأيضا هذا مقتضى كلامهم حيث قالوا عن اليمين مع أنهم لا إتيان لهم حقيقة فضلا عن الاتيان عن اليمين والتأكيدات بأن وكان مع المضارع لمزيد التوبيخ على ذلك فهذا أبلغ من قولهم في سورة السبأ :
لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ
[ سبأ : 31 ] « 1 » .
قوله : ( وهلكنا مستعار من يمين الإنسان الذي هو أقوى الجانبين وأشرفه وأنفعه ولذلك سمي يمينا وتيمن بالسانح ) مستعار من يمين الإنسان فذكر اسم المشبه به وأريد المشبه وكونه استعارة تمثيلية أولى شبه الهيئة المأخوذة من الرؤساء وخدعهم وتزيين ما في يدعونهم إليه بهيئة منتزعة من أمور عديدة وهو الطائر واتيانه من يمين شخص واعتقاده أنه نفع فذكر اللفظ المركب الموضوع للمشبه به وأريد المشبه قوله وتيمن بالسانح ويتطير بالبارح قال عليه السّلام : « لا عدوى ولا طيرة » الحديث .
في النهاية وفي الصحاح السانح ما ولاك من ظبي أو من طائر أو من غيرهما تقول سنح لي الظبي يسنح سنوحا إذا مر من ميسرك إلى ميامنك والعرب تتيمن بالسانح وتتشاءم بالبارح وفي المثل من لي بالسانح بعد البارح قال أبو عبيدة سأل يونس رؤية وأنا شاهد عن السانح والبارح فقال السانح ما ولاك ميامنه والبارح ما ولاك مياسره وفي الكشاف فإن قلت قولهم أتاه من جهة الخير وناحيته مجاز في نفسه فكيف جعلت اليمين مجازا عن المجاز قلت من المجاز ما غلب في الاستعمال حتى لحق بالحقائق وهذا من ذلك تم كلامه يعني قولهم أتاه من جهة اليمين لما تقرر مستعار من قولهم أتاه من جهة الخير والخير لا جهة له فكيف يستعار منه وأجاب بأنه مجاز في المرتبة الثانية شبه الخير بالجهة اليمنى لملابسته بها على ما نقلنا من كلام الكشاف من قوله اليمين لما كانت أشرف العضوين وأمتنهما الخ فاستعير لفظ المشبه به وهو الجهة للخير فالإضافة في جهة الخير بيانية أي الجهة التي هي الخير إطلاق الجهة على الخير مجاز في المرتبة الثانية ثم إطلاق اليمين على جهة الخير مجاز في المرتبة الثالثة فهو كالمسافة وهي في الأصل موضع الشم من سافه بمعنى شمه وكان الدليل إذا كان في فلاة أخذ التراب فشمه ليعلم أنه على طريق أم لا فإذا وجد رايحة الأبعار علم أنه على طريق ثم استعير لبعد ما بين الموضعين ثم استعير للفرق بين الكلامين .
هامش
( 1 ) وفي الكشاف استعيرت لجهة الخير وجانبه فقيل أتاه عن اليمين أي من قبل الخير وناحيته فصده عنه وأضله انتهى والظاهر من كلامه أن المراد باليمين جانب الخير في نفس الأمر وعن لتضمن الإتيان بمعنى الصد وما ذكرناه في أصل الحاشية كلام بعض المحشين وإن المراد باليمين جانب الخير بطريق الخدمة وهو شر وضلال في نفس الأمر وتعدية أتاني بعن يحتاج إلى التمحل ويؤيد هذا قوله تعالى حكاية عنهم في سورة سبأبَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِتأمل .