بجميع صفات الكمال قدم الأول إذ التحلية بعد التخلية وهذه العلة علة للمعلل لما عرفت أن الفاء للسببية فتفيد علية ما قبلها للتنزيه لكن هذه العلة تفيد مالكية جميع الأمور وتصرفه بخلاف الأول فتأمل .
قوله : ( وعد ووعيد للمقرين والمنكرين وقرأ يعقوب بفتح التاء وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما كنت لا أعلم ما روي في فضل يس كيف خصت به فإذا أنه لهذه الآية ) وعد ووعيد للمقرين بالثواب والمنكرين بالعقاب لف ونشر مرتب ولم يرض كونه وعيدا للمنكرين بناء على أن الخطاب للمشركين إذ الاعتبار الدلالة على العموم بطريق تلوين الخطاب على أن فيه مبالغة في الوعيد إذ الوعد للمقرين وعيد للمنكرين وفيه إشارة إلى أن الختم بهذا في غاية من الحسن والبهاء يتحير منه العقلاء حيث أشير به إلى أن المقصود من بدء الخلق واعادته مجازاة اللّه تعالى المكلفين على أعمالهم كان مرجع الجميع إليه تعالى لا محالة فيظهر منه أيضا ضعف التخصيص بالمنكرين قوله وقرأ يعقوب فهذه القراءة ليست شاذة حيث لم يعبر بقيل وصرح قارئه وقوله فإذا للمفاجأة والمراد بهذه الآية قوله تعالى :
فَسُبْحانَ الَّذِي
[ يس : 83 ] الآية .
قوله : ( وعنه عليه السّلام أن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس من قرأها يريد بها وجه قوله : فإذا أنه لهذه الآية إذا للمفاجأة أي ففاجأت أن ذلك الفضل لهذه الآية وهي
فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
[ يس : 83 ] .
قوله : إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس الحديث من رواية الترمذي عن أنس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لكل شيء قلب وقلب القرآن يس ومن قرأها كتب له قراءة القرآن عشر مرات وروى الإمام عن حجة الإسلام أنه قال إنما كان قلب القرآن لأن الإيمان صحته الاعتراف بالحشر والنشر وهذا المعنى مقرر فيه بأبلغ وجه وفي مسند الإمام وأبي داود عن معقل بن يسار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال اقرؤوا سورة يس على موتاكم قال الإمام رحمه اللّه وذلك أن اللسان حينئذ ضعيف القوة والأعضاء ساقطة البنية لكن القلب قد أقبل على اللّه بكليته فيقرأ عليه ما يزداد به قوة قلبه ويشتد تصديقه بالأصول وقال الطيبي رحمه اللّه قلت والعلم عند اللّه أن هذه السورة الكريمة من فاتحتها إلى خاتمتها في تقرير أمهات علم الأصول وجميع المسائل المعتبرة التي أوردها العلماء في مصنفاتهم بأبلغ وجه وأتمه فقوله :
يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ
[ يس : 1 ، 2 ] وقوله :
تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
[ يس : 5 ] في إثبات المعجزة فإن الحكيم بمعنى مفعول أي المحكم المتقن الرصين الذي
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
[ فصلت : 42 ] فهو محكم في نفسه فلو حام حوله وسمة الحدوث وصمة العدم لم يكن محكما في نفسه ولم يكن تنزيلا عن عزيز ومحكم في ترصيقه وتركيبه فلو عورض بمثله لم يكن محكما في ترصيقه وتركيبه ولم يكن منزلا في من لدن عزيز رحيم وقوله :
إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
[ يس : 3 ] إلى قوله :
اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ
[ يس : 21 ] في بيان المسائل المعتبرة في النبوات من التبليغ والبشارة والندارة وكيفية دعوة الأمة واستعمال اللين والرفق فيها وعدم الطمع في الأجر وأحوال الأمم وقبول البعض وإباء الآخرين وبيان خاتمة السعداء منهم والأشقياء وقوله :
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ يس : 7 ] في إثبات القدر