العموم المجاز يتناول القلب الحقيقي وهو ملك مطاع في البدن وأشرف أجزائه والمجاز وهو أشرف وأفضل أجزاء ما لا قلب له حقيقة ومن جملته هذه السورة الكريمة فإنه كما قال عليه السّلام أفضل من سائر سور القرآن نقل عن الغزالي أن المدار على الإيمان وصحته الاعتراف بالحشر والنشر على أبلغ وجه وأحسنه فلذا شبهت بالقلب الذي به صحته البدن وقوامه واستحسنه الإمام الرازي وقيل المراد بالقلب اللب المقصود لمن له لب فإن ما سواه مقدمات ومتممات والمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب إرشاد العباد إلى غايتهم الكمالية في المعاد وذلك بالتحقق والتخلق بما عبر عنه بالصراط المستقيم كما مر في الفاتحة وجه ما قاله الإمام الغزالي على ما بينه الفاضل المحشي هو أن الصحة في كلامه ليس بمعنى الثبوت ولا ما يقابل الفساد والبطلان بل ما يقابل السقم ولا شك أن من صح إيمانه بالحشر يخاف من النار ويرغب في الجنة دار الأبرار فيرتدع عن المعاصي التي هي كأسقام الإيمان إذ بها يختل ويضعف ويشتغل بالطاعات التي هي لحفظ صحته ومن لم يقو إيمانه كان حاله على العكس فشابه الاعتراف به بالقلب الذي بصلاحه يصلح البدن وبفساده يفسد واللّه أعلم انتهى وحسن هذا البيان لا يحتاج إلى البرهان لكن الكلام في تخصيص هذا بهذه السورة الكريمة إذ ذكر الحشر والمعاد في سائر السور مما لا يخفى على أحد فلو كان سبب كونه قلب القرآن ذكر الحشر والنشر فيها لزم كون سائر السور التي ذكر فيها القيامة وأحوالها فلما يخلو عن ذكرها بل بعض السور مشتمل ذكر المعاد على أبلغ وجه من هذه السورة الكريمة وكذا الكلام في القول الثاني إذ الصراط المستقيم مذكور في سائرها على وجه التفصيل ولك أن تقول في وجهه إن التوحيد قطر الإيمان والإيمان بالآخرة قطره الآخر وهما مذكوران في هذه السورة بأبلغ وجه وأكده حيث أقيم الدليل عليهما إقامة بعد إقامة ابتداؤها من قوله :
إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ يس : 3 ، 4 ] إلى آخر السورة وبيانهما على هذا الأسلوب مما تفرد به هذه السورة الجليلة ولعل لهذا قال قلب القرآن ولك أن تقول إنه عليه السّلام وصف بعض السور بالوصف كوصف البقرة وآل عمران بالزهراوين وهذه السورة بقلب القرآن والمراد بيان فضيلته من جهة الثواب وترغيب قراءته في آناء الليل وأطرف النهار فلا نشتغل لبيان وجه التخصيص ونفوض علمه إليه عليه السّلام والعلم عند اللّه الملك العلام قوله كأنما قرأ القرآن الخ قيل قد عرفت أنه مخالف لرواية الترمذي عشر مرات فإن قيل يلزم تفضيل الشيء على نفسه قلنا المراد بالقرآن ما سوى سورة يس كما قيل في ليلة القدر أنها خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر قوله يصلون عليه أي يدعون والمراد بالثاني الصلاة على الميت مع المسلمين والحمد للّه رب العالمين نحمد اللّه على اتمام ما يتعلق بهذه السورة الكريمة بين الصلاتين في يوم الاثنين من الشوال المفخم في سنة تسع وثمانين بعد المائة والألف اللهم إني أسألك ببركة هذه السورة الكريمة أن تجعلنا ممن صلح قلبه وحسن حاله وأن تحفظنا بحصن حصين ونصر متين وفتح مبين وأن تصلي وتسلم على رسولنا وسيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين آمين بحرمة من أرسلته رحمة للعالمين .