السامعة وكذا الابصار والأول أي الإدراك بالعين والإدراك بالعين والإدراك بالسمع حقيقة والثاني أي القوة السامعة والقوة الباصرة إطلاقهما عليهما مجاز والأوفق لاستعمال القرآن سمعهم بالإفراد دون الجمع .
قوله : ( أي يوم القيامة جدير بأن يتعجب منهما بعد ما كانوا صما عميا في الدنيا ) يؤيد المعنى الأول وهذا منشأ التعجب فالآية على هذا الوجه من قبيل
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
[ ق : 22 ] وكذا الكلام في السمع ولما كان التعجب وهو حيرة تعرض الإنسان لجعله بسبب المتعجب منه محالا في شأنه تعالى أوله بذلك فحاصل المعنى تعجبوا من سمعهم الحق وأبصارهم الصواب حين لا ينفعهم ذلك مع أنهم كانوا أصم عن استماع وأعمى عن رؤيته حين ينفعهم السمع والإبصار ولعله في موطن وكونهم أعمى في موطن آخر قال تعالى :
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا
[ الإسراء : 97 ] الآية وقد مر في سورة الكهف بيان إعراب هذا النظم الجليل وأنهما صيغة تعجب نقل من صيغة الأمر من الأفعال إلى معنى الإنشاء .
قوله : ( أو التهديد بما يسمعون ويبصرون يومئذ ) والفرق أن في الأول نزل الفعلين منزلة اللازم والتعجب فيه نفس السمع والإبصار بعد الصمم والعمى وفي هذا الاحتمال المراد تعلقهما بالمفعول وهو ما يضرهم ويسوؤهم فالتعجب ح عن السمع والإبصار لا مطلقا بل متعلقين بالمفعول بعد ما كانوا صما وعميا في الدنيا عن استماع ما يسرهم في الدنيا وإبصارهم فعلم من هذا التقرير أن قوله أو التهديد عطف على قوله إن أسماعهم لا على التعجب إذ هذا تعجب أيضا مقصود منه التعجب مع التهديد والفرق ما عرفته أخره لأن في الأول مبالغة حيث أثبت لهم الاسماع والإبصار فيشمل ما يسوؤهم وغيره وإن لم يقدر له مفعول لكنه يلزمه وقيل لأن قوله لكن الظالمون انسب بالأول .
قوله : ( وقيل أمر بأن يسمعهم ويبصرهم مواعيد ذلك اليوم وما يحيق بهم فيه ) أي أمر للنبي عليه السّلام لا تعجيب بأن يسمعهم ويبصرهم إشارة إلى أن في أبصر محذوفا سواء كان أمرا أو فعلا تعجبا والمعنى اسمع الناس وأبصرهم بما يحل بهم من العذاب وهو قوله : اسمع بهم وأبصر تعجيب الخ فسر رحمه اللّه فعل التعجب على ما حققه النحاة من احتمال الوجهين فإنهم قالوا في أكرم بزيد أن أصله إما أن يكون أكرم زيد أي صار ذا كرم إلا أنه أخرج ما معناه الخبر على لفظ الأمر كما أخرج ما معناه الدعاء على لفظ الخبر كقولهم رحمه اللّه والباء مزيدة كما في قوله تعالى :
وَكَفى بِاللَّهِ
[ النساء : 6 ] وزيد فاعل أكرم وإما أن يكون أمرا لكل أحد بأن يجعل زيدا كريما بأن يصفه بالكرم والباء مزيدة مثلها في قوله تعالى :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
[ البقرة : 195 ] وزيد مفعول أكرم أو بأن يصيره ذا كرم على جعل الهمزة للصيرورة فالباء للتعدية ثم جرى مجرى المثل في عدم التغيير عن لفظ واحد في خطاب الاثنين والجماعة فيقال يا رجلان أكرم بزيد ويا رجال أكرم بزيد فوجه رحمه اللّه أسمع بهم وأبصر على كل من الوجهين المذكورين .