فجعل اللّه تعالى النهار رأسا وخوصا ورطبا وتسليتها بذلك لما فيه من المعجزات الدالة على براءة ساحتها فإن مثلها لا يتصور لمن يرتكب الفواحش ) لا رأس لها أي لا خضرة لها فهزتها كما أمرت قوله خوصا بضم الخاء المعجمة والصاد المهملة ورق النخل خاصة وتسليتها بذلك إشارة إلى ما في الكشاف من السؤال والجواب أما السؤال بأن حزنها لم يكن لفقد الطعام والشراب حتى تتسلى بالسري والرطب وجوابه أن تسليتها بهما ليست من هذه الحيثية بل من حيث اشتمالها على أمور خارقة للعادة ودالة على براءة ساحتها وقدرة اللّه تعالى الباهرة التي يهون عندها كل شيء حتى لا ينكر المنصف أمرها وولادتها من غير فحل ولا مدة وأراد بالمعجزات معناها اللغوي « 1 » وهي الأمر المعجز للبشر لكونه خارقا للعادة مطلقا فتصدق على الكرامة لكن الأولى الكرامات وفيه إشارة أيضا إلى أن ولدها نافع كالتمرة الحلوة ونفعه باق كالنخلة فإن نفعها وطريها باق .
قوله : ( والمنبهة لمن رآها عليه على أن من قدر أن يثمر النخلة اليابسة في الشتاء قدر أن يحبلها من غير فحل ) والمنبهة عطف على الدالة وإسناد التنبيه إلى الأمور الخارقة مجاز قوله عليه حال من مفعول رآها والضمير للشأن .
قوله : ( وأنه ليس ببدع من شأنها مع ما فيه من الشراب والطعام ولذلك رتب عليه الأمرين فقال ) :
قوله تعالى :
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 26 ]
فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ( 26 )
( فكلي واشربي ) أي ولاشتمال التسلية بما ذكر على ما في المتسلي به من الطعام والشراب والمراد بالأمرين الأكل والشرب أو أي المشروب والمأكول كما قيل لكن المترتب بالفاء الأكل والشرب ويحتمل أن تكون الإشارة إلى جميع ما تقدم أي ولأنها سلاها أزالت حزنها أمرها بالأكل والشرب لأن الحزين يكاد أن يغص بالماء الفرات فضلا عن غيره كأنه قيل لما زال حزنك بما شاهدته من الأمور الغريبة المتعلقة بالمأكول والمشروب فاشتغلي بالأكل والشرب هنيئا مريئا وقدم الأكل لأنه قوام البدن أو لأن المعتاد تقديم الأكل على الشرب وتقديم السري فيما قبل لأن الماء سبب حياة قوله : فجعل اللّه تعالى لها رأسا وخوصا الخوص ورق النخلة .
قوله : وأنه ليس ببدع من شأنها عطف على قوله إن من قدر الخ أي المنبهة على أن إحبالها من غير فحل ليس ببديع من شأنها وقوله مع ما فيه من الشراب والطعام حال من المستكن في فيه في قوله لما فيه فالمعنى وتسليتها بذلك لما حصل فيه من المعجزات مقرونا مع ما فيه من الشراب والطعام فكأنه قيل لا تحزني وطيبي نفسك فإن لك طعاما وشرابا وحجة دالة على براءة ساحتك .
هامش
( 1 ) وقيل إنه مجاز عرفي ولا يخفى أن الحمل على اللغوي أولى .