بالإشارة وأمرها بذلك لكراهة المجادلة والاكتفاء بكلام عيسى عليه السّلام فإنه كاف في قطع الطاعن ) بعد أن أخبرتكم هذا لدفع ما يتوهم من أنها إذا نذرت عدم الكلام يكون قوله هذا مبطلا للنذر فالنذر بغير هذا الإخبار وإنما قال بعد أن أخبرتكم لأن قولها إني نذرت إخبار عن نذر وقع قبل هذا ودل عليه النص اقتضاء كما يشعر به قوله :
فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ
[ مريم : 26 ] ولم يقل فانذري وإن سلم كونه إنشاء فقول المص ثم إن أخبرتكم لكون أصل الكلام المذكور خبرا منقولا منه إلى الإنشاء ولا يخفى بعده قوله وإنما أكلم الملائكة من مفهوم قوله انسيا على ما هو مذهبه قوله وأناجي ربي وجه هذا ظاهر مثل قصة زكريا عليه السّلام حيث اشتغل بالتسبيح معرضا عن التكلم مع البشر حيث التبشير وأما تكلم الملائكة فوجهه غير ظاهر .
قوله تعالى :
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 27 ]
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ( 27 )
قوله : ( مع ولدها ) إشارة إلى أن الباء للملابسة والتعدية انسب منها لأن باء التعدية تشعر الاستصحاب والمعية صرح به المص في قوله تعالى :
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
[ البقرة : 17 ] ادخل مع في ولدها لأنه أصل متبوع في هذا الاتيان .
قوله : ( راجعة إليه بعد ما طهرت من النفاس ) الأولى تركه .
قوله : ( حاملة إياه ) إشارة إلى أن الجملة حال من ضمير مريم أو عيسى مأولة بالمفرد واختير الجملة الاستقبالية لحكاية الحال الماضية والمضي في
أَتَتْ
[ الذاريات : 42 ] في بابه وفائدة هذا القيد مع ظهوره الإشارة إلى أنها أظهرته لزوال خوفها من اللوم لما رأت الأمور العجيبة الدالة على براءتها وتمنيها الموت أولا لعدم اطلاعها على هذه الخوارق .
قوله : ( قالوا يا مريم ) هذا القول منهم قبل ظهور الأحوال العجيبة والخوارق البديعة .
قوله : ( بديعا منكرا ) إما كونه بديعا أي غريبا لعدم كونه مسبوقا من مثلها لأنها من أشراف القوم والفحش منهم أبدع وأما كونه منكرا فلأنه منكر شرعا ومما يستقبحه الطبع السليم .
قوله : ( من فري الجلد ) أي فريا مشتق من فري الجلد أي قطعه واستعير لفعل ما لم يسبق له لأن فيه قطع العادة وإنما اختار المصنف الثلاثي حيث قال من فري الجلد لأن فعيلا إنما يصاغ من الثلاثي قياسا وأما من الأفعال فغير قياس « 1 » فلا وجه لما قيل من أن قوله : وأمرها بذلك أي أمر اللّه مريم بأن تقول :
إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً
[ مريم : 26 ] لكراهة المجاهدة مع قومها الظانين في حقها بالسوء والاكتفاء في جوابهم بكلام عيسى رضيعا في بدء ولادته بقوله :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ
[ مريم : 30 ] الآية فإن تكلم صبي لم يعهد تكلم مثله بمثل هذا الكلام أول ولادته يقطع لسان الطاعن .
هامش
( 1 ) حتى أنكره الزمخشري في قوله تعالى :وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ *وإن أثبته في قوله تعالى :بَدِيعُ السَّماواتِ *الآية .