قوله : ( فخرج عن أمره بترك السجود ) إشارة إلى أن تعدية فسق بعن لكونه في الأصل بمعنى الخروج .
قوله : ( والفاء للسبب ) « 1 » داخلة على المسبب والمراد بالأمر اسجد في ضمن اسجدوا فخروجه عنه بترك الامتثال إذ الأمر للوجوب قوله بترك السجود أي مع استقباحه .
قوله : ( وفيه دليل على أن الملك لا يعصى البتة وإنما عصى إبليس لأنه كان جنيا في أصله والكلام المستقصى فيه في سورة البقرة ) كان جنيا فإنه خلق من مارج من نار والحصر بالنسبة إلى الملك وسبب عصيانه كونه جنيا مستعدا للعصيان لأن فيه قوة شهوانية وقوة غضبية ووهمية التي هي منشأ جميع المنكرات كالإنسان فلا ينافي كون بعضه مؤمنا مطيعا وأما الملك فله قوة عقلية فقط فلا يتصور منه العصيان ما دام باقيا في حقيقة الملك وكلامه هنا ينافر كلامه في سورة البقرة كما لا يخفى على الناظرين وما ذكر هنا هو الصواب لدى أولي الألباب لكن في استثناء إبليس من الملائكة تمحل ح كما فصله في سورة البقرة .
قوله : ( أعقيب ما وجد منه تتخذونه ) هذا بناء على أنه لا اعتداد بما بين ما وجد منه وعدم اتخاذ الأولياء لأن سبب الاتخاذ وجود المتخذين والزمان الذي لم يوجدوا غير معتد به أو لأن المسبب كالمتعقب للسبب وإن تراخى عنه لفقدان شرطه أو وجود مانع فلا إشكال في التعقيب كذا أفاده في تفسير قوله تعالى :
أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً
[ نوح : 25 ] .
قوله : ( والهمزة للإنكار والتعجب ) أي لإنكار الواقع بمعنى أنه ما كان ينبغي أن يقع والتعجب هذا مفهوم من الفحوى فلا جمع بين المعنيين المجازيين والخطاب للمشركين وصيغة الاستقبال للاستمرار والفاء عطف على محذوف أي أتغفلون عن ذلك فتتخذونه .
قوله : ( أولاده أو أتباعه وسماهم ذرية مجازا ) أي الأتباع ذرية مجازا أي استعارة قوله : فيه دليل على أن الملك لا يعصى البتة هذا المعنى مستفاد من مفهوم المخالفة الذي أفاده ترتيب الفسق على كونه من الجن بالفاء السببية فهذا إنما هو على مذهبه فإنه رحمه اللّه شافعي المذهب .
قوله : أعقيب ما وجد منه معنى التعقيب أفاده الفاء في
أَ فَتَتَّخِذُونَهُ
[ الكهف : 50 ] .
قوله : وسماهم ذرية أي وسمى أتباعه ذرية تجوزا فإنهم لفرط اختلاطهم به وانقيادهم لإغوائه كانوا كأنهم ذريته لكن يلزم منه الجميع بين الحقيقة والمجاز في لفظ الذرية قال صاحب الكشاف كان من الجن كلام مستأنف جار مجرى التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين كأن قائلا قال ما له لم يسجد فقيل كان من الجن
فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
[ الكهف : 50 ] والفاء للتسبيب وأيضا جعل كونه من الجن سببا في فسقه يعني أنه لو كان ملكا كسائر من سجد لآدم لم يفسق عن أمر اللّه لأن الملائكة معصومون البتة لا يجوز عليهم ما يجوز على الجن والإنس كما قال :
لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
[ الأنبياء : 27 ] ثم قال وهذا الكلام المفترض تعمد من اللّه عز وجل لصيانة الملائكة عن وقوع شبهة في عصمتهم فما أبعد البون بين ما تعمده اللّه وبين قول من
هامش
( 1 ) يعني لا للعطف إذ لا يصح تعليل ترك سجوده بفسقه عن الأمر .