قوله : ( كالملائكة والمسيح وعزير فلا يستطيعون كالمرض والفقر والقحط ولا تحويل ذلك منكم إلى غيركم ) كالملائكة الخ فالكاف للعينية فح وجه تأنيث ضمير أنها لتنزيلهم منزلة غير العقلاء في عدم القدرة على كشف الضر وجلب النفع والقرينة على هذا التقدير قوله من دونه تقديم الملائكة للاشعار « 1 » بأنهم مع كونهم قادرين على الأفعال الشاقة عاجزون عما ذكر فما ظنكم بعزير والمسيح قوله : « منكم إلى غيركم ممن لا يعبدونها » قوله فلا يملكون جواب لكن الشرط سبب للإخبار دون الحصول كقوله تعالى :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
[ النحل : 53 ] وهو مجاز عن عدم الاستطاعة لأنه لازم له .
قوله تعالى :
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 57 ]
أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً ( 57 )
قوله : ( هؤلاء الآلهة يبتغون إلى اللّه القربة بالطاعة ) وهم الملائكة وعزير والمسيح كما ذكرهم أولا وهنا أشار باسم الإشارة لكونهم كالمحسوس بالذكر وصيغة البعد في النظم لتبعيد هؤلاء عن الآلوهية واختار المصنف صيغة القرب لذكرهم قريبا لكن المتابعة بما في النظم الكريم هو الأهم والأحرى واختار لفظة الجلال مع أن في النص ربهم تصريحا لما هو المقصود إذ الرب بالإضافة قد يطلق على غيره تعالى القربة الخ معنى الوسيلة أولئك مبتدأ خبره يبتغون الذين صفته أو بدل منه يدعون صلة الذين بحذف العائد أي يدعونهم وضمير يدعون راجع إلى المشركين العابدين وهذا أوفق بالمقام معنى وإن كان فيه تفكيك الضمير والمعنى يسمونهم آلهة ويحتمل أن يكون ضمير يدعون راجعا إلى الذين أي الذين يعبدون اللّه فهو وإن كان أقرب لفظا لخلوه عن التفكيك لكنه بعيد معنى لأن معنى يبتغون الوسيلة القربة بالطاعة فيكون كالتأكيد له .
قوله : ( بدل من واو يبتغون أي يبتغي من هو أقرب منهم إلى اللّه تعالى الوسيلة فكيف بغير الأقرب ) بدل من واو يبتغون بدل البعض من الكل قوله أي يبتغي من هو فيه على أن أيهم موصول حذف صدر صلتها أي أيهم هو أقرب وهو كذلك في عامة المواضع وكونها استفهامية تكلف إذ ح لا يكون بدلا بل جملتها في محل نصب ليدعون أو يبتغون ويلزم تعليق غير الأفعال القلبية وهو مذهب يونس مرجوح قوله أقرب منهم « 2 » أي أقرب من سائرهم لئلا يلزم تفضيل الشيء على نفسه أو أقرب المخلوقات من بينهم على أن يكون من تبعيضية وليست تفضيلية ولا ينافيه جمع يخافون ويرجون لأن ضميره راجع إلى الذين يدعون لا إلى الأقرب والقول بأنه راجع إلى الأقرب لأنه متعدد وهم الملائكة ضعيف مع أن الرجاء والخوف عامان لهم غير مختص بالأقرب وخوفهم من العذاب خشية اجلال .
قوله : ( كسائر العباد فكيف تزعمون أنهم آلهة ) كسائر العباد في مطلق الخوف لا في خوف إجلال بالنسبة إلى عوامهم .
هامش
( 1 ) فلا يلزم تفضيل الملائكة على الرسل .
( 2 ) أي أقرب من مشاركيه نحو نبينا عليه السّلام أفضل من قريش أي أفضل من مشاركيه في هذا النوع .