الأصل له مفعول واحد والمعنى وتركنا إرسال الآيات وأما في مثل قوله تعالى :
وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ
[ البقرة : 17 ] فلتضمين معنى التصيير يتعدى إلى مفعولين قال الزمخشري استعير المنع لترك إرسال الآيات لأجل صارف الحكمة ومراده الاستعارة اللغوية فينتظم المجاز المرسل والمعنى وما تركنا إرسال الآيات إلا بأن كذب فظهر ضعف ما قيل إنه لو كان منع مجازا عن الترك والتارك هو اللّه تعالى لكان ضمير اللّه فاعلا وإن كذب مفعولا عكس ما في النظم والقلب لا يليق لأن الفاعل هو اللّه تعالى والمفعول به أن نرسل وإن كذب مفعول به غير صريح لما عرفت أن المراد المعنى اللازم لا المعنى الموضوع له فهذا القائل خلط بين المعنيين والداعي إلى المجاز قصد المبالغة فإن الترك بسبب منع الغير أبلغ منه بدون منع وأيضا فيه صارف معنوي « 1 » مراعاة الحكمة كما أشار إليه الزمخشري بقوله لأجل صارف الحكمة وللتنبيه على ذلك عبر بالمنع عن الترك وأما الفرق بين المنع والصرف بأن في المنع الفاعل الآخر قاسر والصرف يكون في المعاني ولغير القاسر لإشعاره بوصوله إليه ويمكنه منه تم أنه منصرف منه فإن تم ذلك يكون كلام المصنف تأويلا للمنع بالصرف مخالفا للكشاف فلا يكون محمولا على معنى الترك فيكون المنع مستعارا للصرف بجامع أنهما سببان للترك وإن كان في الأول فاعلا آخر قاسرا بخلاف الصرف لكن الفرق على هذا الوجه مطلوب البيان بالنقل عن العلماء الأعيان ودون اثباته خرط القتاد .
قوله : ( إلا تكذيب الذين هم أمثالهم في الطبع كعاد وثمود وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك واستوجبوا الاستئصال على ما مضت به سنتنا ) في الطبع أي في الخلق أو في كونهم مطبوعا على قلوبهم قوله على ما مضت سنتنا أي عادتنا في الأمم الخالية « 2 » .
قوله : ( وقد قضينا أن لا نستأصلهم لأن فيهم من يؤمن أو يلد من يؤمن ثم ذكر بعض الأمم المهلكة بتكذيب الآيات المقترحة فقال :
وَآتَيْنا ثَمُودَ
[ الإسراء : 59 ] ) الآية من يؤمن فيما سيأتي أو يلد من يؤمن به فأو لمنع الخلو ففهم منه أن الأمم الهالكة على سبيل قوله : وقد قضينا أن لا نستأصلهم وفي الكشاف استعير المنع لترك ارسال الآيات من أجل صارف الحكمة لأن أصل المعنى وما تركنا إرسال الآيات التي اقترحها قريش إلا لأجل علمنا السابق أن الحكمة والمصلحة في الترك وتلك الحكمة هي أن فيهم من يؤمن وإنما صير إلى المجاز لأن المنع حقيقة هو صرف الغير عن فعل يفعله اللّه تعالى وذلك في حق الفاعل المختار محال فوجب حمله على المجاز .
هامش
( 1 ) لكن كون الصارف المعنوي فاعلا طار على أصل اللغة واصطلاح فلا يعد فاعلا لكن يكون باعثا .
( 2 ) إشارة إلى أن وجوب السبب يقتضي وجود المسبب وأن كون تكذيب الأولين سببا لمنع إرسال الآيات التي اقترحها قريش لأن قريش أمثالهم في كونهم مطبوعين فكما كذب الأولون كذب قريش أيضا فيلحقهم لكن كونهم أمثالا في الطبع باعتبار المجموع من حيث المجموع لا باعتبار كل واحد تأمل .