بالمزدلفة بغلس ) والغلس ظلمة آخر الليل بعد طلوع الفجر ووجه الصلاة بغلس مع أن المستحب الأسفار دفع حاجة الوقوف بمزدلفة كما في الهداية وحاصله توسيعا للوقوف .
قوله : ( ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل ) والظاهر أن المشعر المشعر ومتصلة به عند المشعر إلى هنا كلام صاحب الكشاف صحح الأول بما روي عن جابر لدلالته على أن المشعر غير المزدلفة إذ لو كان المشعر الحرام المزدلفة لم يستقم قول جابر ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام وعلى هذا احتيج إلى تأويل قوله تعالى عند المشعر الحرام فإن المزدلفة لما كان أعم من الجبل وهي كلها موقف لم يبق لتخصيص القرب من المشعر الحرام فائدة فأوله بوجهين أحدهما أن التخصيص بذلك ليس للاشتراط به بل لفضله وشرفه كما أن الوقف بقرب جبل الرحمة في عرفات للفضل وإن كانت عرفات كلها موقفا وثانيهما أن أعقاب المزدلفة أي أطرافها جعلت عند المشعر لكونها في حكم المشعر أي لاتصالها بها سميت عند المشعر فكان من باب تسمية الكل باسم الجزء قيل وحاصل هذا أيضا إلى الشرف لأن الشرط في إطلاق الجزء على الكل شرف الجزء واعترض بأن الكتاب أقوى من الحديث فلا يصح تأويله للحديث وأجيب بأن هذه أسماء موضوعة لأماكن معلومة فما وافق الواقع فيما اشتهر بينهم معتبر وغيره يأول وتأويله الأول واضح جلي هذا واختار الإمام خلاف ما صححه وارتضاه صاحب الكشاف حيث قال ثم اختلفوا فقال قائلون المشعر الحرام هو المزدلفة وسماها اللّه تعالى بذلك لأن الصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده هكذا قاله الواحدي في البسيط وقال صاحب الكشاف الأصح أنه قزح وهو آخر حد من المزدلفة والأول أقرب لأن الفاء في قوله تعالى :
فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
[ البقرة : 198 ] يدل على أن الذكر عند المشعر الحرام يحصل عقيب الإفاضة وما ذاك إلا البيتوتة بالمزدلفة وقال الإمام اعلم أنه لابد أن نشير إشارة خفية إلى ترتيب أعمال الحج حتى يسهل الوقوف على معنى الآية فمن دخل مكة محرما في ذي الحجة أو قبله فإن كان مفردا أو قارنا طاف للقدوم وأقام على إحرامه حتى يخرج إلى عرفات وإن كان متمتعا طاف وسعى وحلق وتحلل من عمرته وأقام إلى وقت خروجه إلى عرفات وحينئذ يحرم من جوف مكة بالحج ويخرج وكذلك من أراد الحج من أهل مكة والسنة للإمام أن يخطب بمكة يوم السابع من ذي الحجة بعد ما صلى الظهر خطبة واحدة يأمر الناس فيها بالذهاب غدا بعد ما صلوا الصبح إلى منى ويعلمهم تلك الأعمال ثم إن القوم يذهبون يوم التروية إلى منى بحيث يوافون الظهر بمنى ويصلون بها مع الإمام الظهر والمغرب والعشاء والصبح من يوم عرفة ثم إذا طلعت الشمس على ثبير يتوجهون إلى عرفات فإذا دنوا منها فالسنة أن لا يدخلوها بل يضرب فيه الإمام بنمرة وهي قريبة من عرفات فينزلون هناك حتى تزول الشمس فيخطب الإمام خطبتين يبين لهم مناسك الحج ويحرضهم على إكثار الدعاء والتهليل بالموقف ثم إذا فرغ من الخطبة جلس ثم قام وافتتح الخطبة الثانية والمؤذنون يأخذون في الأذان معه ويخف بحيث يكون فراغه منها مع فراغ المؤذنين من الأذان ثم ينزل فيقيم المؤذنون فيصلي بهم الظهر ثم يقيمون في الحال ويصلي بهم العصر وهذا الجمع متفق عليه ثم بعد الفراغ من الصلاة يتوجهون إلى عرفات فيقفون عند الصحرات لأن النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم وقف هناك وإذا وقفوا استقبلوا القبلة يذكرون اللّه تعالى ويدعونه إلى غروب الشمس واعلم أن الوقوف ركن لا يدرك الحج إلا به فمن فاته الوقوف في وقته وموضعه فقد فاته الحج ووقت الوقوف يدخل بزوال الشمس من يوم عرفة ويمتد إلى طلوع الشمس من يوم النحر وذلك نصف