أن هذا تكلف والحق أن وجوب الوقوف بعرفات وكونه ركنا أعظم بالإجماع وسند الإجماع قوله عليه السّلام « الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج » .
قوله : ( أو مقدمة للذكر المأمور به واجبة وفيه نظر إذا الذكر غير واجب والأمر به غير مطلق ) المأمور به بقوله تعالى
فَاذْكُرُوا اللَّهَ
[ البقرة : 198 ] ثم زيف هذا الوجه بقوله وفيه قوله : أو مقدمة عطف على مأمور به أي وهي أي الإفاضة مأمور بها أو مقدمة للذكر المأمور به وعلى التقديرين يستفاد من الآية الوجوب قال صاحب التقريب دليل الوجوب أن الذكر عند الإفاضة من عرفات واجب يعني لكونه مأمورا به بالأمر المطلق الدال على الوجوب وهو يتوقف على الإفاضة يعني الاشتراط بها وهي على الوقوف وما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدورا للمكلف فهو واجب واعترض عليه بأنه إنما يستقيم أن لو كان الأمر بالذكر مطلقا وهو مقيد بشرط الإفاضة والمقيد لا يستدعي ذلك فإنه إذا قيل إذا حصل لك مال فزك لا يقتضي هذا وجوب تحصيل المال وإن توقف عليه الزكاة لكون الأمر غير مطلق وهذا هو وجه النظر الذي أورده المصنف رحمه اللّه قال بعضهم فإن قلت المأمور به ذكر مقيد بالحصول عند الإفاضة فهو مركب ووجوب المركب يستلزم وجوب أجزائه قلنا لا نسلم أن المأمور به ذكر مقيد بالحصول عند الإفاضة وإنما كان كذلك لو تعلق الظرف وهو إذا باذكروا وليس كذلك فإنه ظرف بمعنى الشرط ولذا جيء بالفاء في جوابه والمعنى إن أفضتم من عرفات فإذا ليس الواجب ذكرا مقيدا بالإفاضة بل إذا حصلت الإفاضة وجب الذكر فالإضافة قيد للأمر لا للمأمور به وفيه دقة فليتأمل واعترض عليه بأن لقائل أن يقول تأملنا فوجدناها قيدا للمأمور به لا للأمر لأن في الشرط معنى السبب والخطاب لا يكون عن سبب وقولهم الأمر المطلق معناه الأمر الذي لا يكون المأمور به مقيدا والحق أن وجوب الوقوف بعرفة ثبت بقوله صلّى اللّه تعالى عليه وسلم الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج وهو وإن كان من الآحاد لكنه بيان لقوله تعالى :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
[ آل عمران : 97 ] وهو مجمل بينه النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم بقوله وفعله والحكم أي حكم الوجوب بعد البيان يثبت بالكتاب وهو يوجب الوجوب كما عرف في موضعه قال السعد التفتازاني ووجه دلالة الآية على وجوب الإفاضة بكلمة إذا الدالة على القطع وهي في حكم الشرع الوجوب كأنه قال الإفاضة واجبة عليكم فإذا أتيتم بها فاذكروا اللّه أقول هذا لا يصلح أن يكون وجها في دلالة الآية على وجوب الإفاضة لأن كون الإفاضة مقطوعا بها لا يستلزم أن يكون واجبة وإلا لزم أن يكون قولك عند القطع بحصول المال لمخاطبك إذا حصل لك مال فزك دالا على الأمر بتحصيل المال فحينئذ وجوب تحصيل المال لدلالة كلمة إذا على القطع وهذا مما لم يقل به أحد .
قوله :
فَاذْكُرُوا اللَّهَ
[ البقرة : 198 ] بالتلبية والتهليل والدعاء اعلم أن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات وذلك عند غروب الشمس يوم عرفة يجيئون إلى المزدلفة ليلة النحر ويجمعون فيها بين صلاتي المغرب والعشاء ثم يبيتون بها فإذا طلع الفجر يصلون الفجر بغلس ثم يذهبون إلى فزح وهو آخر حد المزدلفة مما يلي منى فيرقون فوقه أو يقفون بالقرب منه إلى منى إذا ثبت هذا التصوير فنقول اختلفوا في الذكر المأمور به فجرى المصنف رحمه اللّه على إطلاقه حيث قال بالتكبير والتهليل والدعاء وقيل هو الجمع بين الصلاتين لأنه أمر بالذكر ومطلق الأمر للوجوب ولا ذكر يجب هناك إلا للصلاة وأما المشعر الحرام فمنهم من قال إنه المزدلفة لأن الصلاة والمبيت