هامش
- كراهة ، حتى يملأون بطونهم ، وإذا عطشوا جيء لهم بالحميم ، وهو ماء شديد الحرارة ، فيشربونه فيمزق أقدامهم من شدة حرارته ، قال تعالى :هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ[ ص : 57 ] .
قال ابن عباس : هو أي الغساق الزمهرير يحرقهم ببرده ، كما تحرقهم النار بحرّها ، نعوذ باللّه من النار ومن عذاب النار ، ومن كل عمل يقربنا إلى النار ، واللّه أعلم .
وآخر من يخرج منها ، ومن يموت فيها من عصاة الأمة المحمدية : أخرج الطبراني عن ابن مسعود قال : « إن آخر أهل الجنة دخولا رجل قال له ربه : قم ، فادخل الجنة ، فأقبل عليه عابسا ، قال : وهل أبقيت لي شيئا ؟ قال : لك مثل ما طلعت عليه الشمس وغربت » .
وأخرج الدارقطني في غرائب مالك في رواية عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة ، يقال له : جهينة ، فيقول أهل الجنة : عند جهينة الخبر اليقين ، سلوه هل بقي من الخلائق أحد » .
وأخرج عن المغيرة بن شعبة رفعه قال : « سأل موسى ربه فقال : يا رب أخبرني بأدنى أهل الجنة منزلة ، قال : هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة ، فيقال له : ادخل الجنة ، فيقول : أي رب كيف وقد نزل الناس منازلهم ! وقد أخذوا خزائنهم ! فيقال له : أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا ؟ فيقول : رضيت ، فيقول : لك ذلك ، ومثله ومثله ومثله ومثله ، فقال في الخامسة :
رضيت ، فيقول الرب : لك هذا وعشر أمثاله ، ولك ما اشتهت نفسك ، ولذت عينك ، قال : رب فمن أعظمهم منزلة ؟ قال : أولئك الذين أردت غرس كرامتهم بيدي ، وختمت عليها فلم تر عين ، ولم تسمع أذن ، ولم يخطر على قلب بشر مثلها » .
وأما بيان موت العصاة فيها من الأمة المحمدية ، فقد أخرج مسلم عن أبي سعيد قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ، ولا يحيون ، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم ، فأماتتهم إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة ، فجيء بهم ضبائر ، فبثوا على أنهار الجنة ، ثم قيل : يا أهل الجنة ، أفيضوا عليهم ، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل » .
قال القرطبي : هذه الموتة للعصاة موتة حقيقية ؛ لأنه أكّدها بالمصدر ، وذلك تكريما لهم حتى لا يحسّوا بألم العذاب .
قال : فإن قيل : فأي فائدة حينئذ في إدخالهم النار ، وهم لا يحسون بالعذاب ؟ !
قلنا : يجوز أن يدخلهم النار تأديبا وإن لم يذوقوا فيها العذاب ، ويكون صرف نعيم الجنة عنهم مدة كونهم فيها عقوبة لهم ، كالمحبوسين في السجن ، فإن الحبس عقوبة لهم وإن لم يكن غل ولا قيد . -