تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
فكما أن الرسول مبعوث لهذا الإخراج ؛ فكذا الوارث ، ولا فرق بين الدعوتين إلا بالنبوة والولاية ، فشأن النبوة : إلقاء الوحي على لسان الملك المخصوص من الوجه العام . وشأن الولاية : إلقاء الفيض على لسان ملك من الملائكة أيّا كان من رسلهم ، وذلك من ذلك الوجه العام أيضا ، ونعني بالوجه العام ؛ ما يكون بطريق الواسطة لما يقتضيه ترتيب الكائنات من القلم الأعلى ، والعقل الأول إلى آخر المولّدات ، ويقابله الوجه الخاص ؛ وهو ما كان بلا واسطة سواء كان الموحى إليه ، والملهم نبيا أو وليّا . فظهر أن للعبد طريقين إلى ربه ؛ طريقا بواسطة سلسلة الكائنات ، وطريقا بلا واسطة بينهما ؛ وهو التجلّي الإلهي المفاض على الكل على حد سواء ، فإنه لا اختلاف فيه ، وإنما التفاوت في الظهور بحسب القابلية في المحال ، والمجال ، ولولا ذلك لما ظهر الفرق بين نبي وولي ، وعلوي وسفلي ، فهو من تدبير العزيز الحكيم بحسب الأسماء المختلفة الجمالية ، والجلالية الناظرة إلى التعينات ، وما تحتويه من القابليات فاعرف ، ولينذروا به خصّ الإنذار لما أنه أول الأمر في باب الدعوة ؛ لعدم قابلية المخاطبين للبشير كما دلّ عليه التصريح بالناس ، فإنه أكثر ما يطلق على أهل مكة المشركين . فإن قلت : هذا الإنذار داخل في البلاغ ؛ فهو تكرار . قلت : إن البلاغ إنما هو بالنسبة إلى الأحكام العملية الداخلة تحت الأوامر الإلهية ، والإنذار بالنظر إلى المنكرات الداخلة تحت النواهي ؛ لأن الإنذار إعلام وتخويف ، ولا تخويف إلا حيث العصيان ، وفعل المنهي . والمخوّف به ؛ هو العذاب الجسماني والروحاني ، وأمّا الجسماني بإحراق النار الصورية ، وأمّا الروحاني فهو بإحراق النار المعنوية ؛ وهي تجلّي الجلال ، ومن آثاره ؛ البعد والقطيعة . فكما أن أهل الجمال مقرّبون ؛ لينظروا إلى الجمال الإلهي ؛ فكذا أهل الجلال مبعدون ؛ ليحجبون عنه كما قال تعالى :
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
[ المطففين : 15 ] .