خير ؛ حمدت اللّه تعالى ، وما كان من شر ؛ استغفرت اللّه » « 1 » « 2 » .
هامش
( 1 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 2 / 138 ) ، وابن سعد في الطبقات ( 2 / 194 ) بنحوه .
( 2 ) قلت : فهو نبي الرحمة : ألا ترى أن اللّه تعالى يقول :وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ[ الأنبياء : 107 ] . فكانت حياته رحمة ، ومماته رحمة . كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « حياتي خير لكم ومماتي خير لكم » . وكما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا أراد اللّه سبحانه رحمة بأمة قبض نبيها قبلها ، فجعله لها فرطا وسلفا » .
ورحمته صلّى اللّه عليه وسلّم عامة للجن ، والإنس ، ولجميع الخلق : مؤمنهم ، ومنافقهم ، وكافرهم ؛ رحمة للمؤمنين بالهداية ، ورحمة للمنافقين بالأمان من القتل ، ورحمة للكافرين بتأخير العذاب .
وقد علم اللّه سبحانه قوة شفقته على الخلائق ، ومحبّته في هداية عبيده ، وجلب الإحسان إليهم ، وأنه أنفعهم إلى خلق اللّه ، وأرأفهم بعباد اللّه ، وأوصلهم نفعا إلى فقراء اللّه ، وأشدّهم نصحا ، وجدا في إيصال الخيرات ، وتفريج الكربات ، وتسهيل المصعبات ، وفتح أقفال المضيقات .
فعلم العالم بما في الصدور : إن قلبه ، وجسده صلّى اللّه عليه وسلّم ، وجميع دمه ، ولحمه ، قد جرت الرحمة فيه ، وتركّبت بنيته منها ، وبني أساسه الكريم عليها ؛ فلذلك جعله نفس الرحمة : أي أن الرحمة تمكّنت من قلبه ، وجرت في لحمه وعظمه .
فذاته رحمة ، وحركاته رحمة ، وسكناته رحمة ، واجتماعه رحمة ، وافتراقه رحمة ؛ لأن ما من حركة ، أو سكون يصدر منه عليه السّلام إلا وهو باللّه وللّه ومن اللّه ؛ لأنه قدوة ، وأسوة للعالمين ، ورحمة تعود على الخلائق أجمعين .
وقد نوّر اللّه سبحانه به السماوات والأرضين ، فشفقته ، ورحمته صلّى اللّه عليه وسلّم ، وسياسته مع خلق اللّه لا يحيط بها نقل ، ولا يحصرها عقل .
وتأمّلوا رحمكم اللّه ، وزاد في حبّي ، وحبّكم لهذا النبي الشريف ، وضاعف حبنا فيه الخبير اللطيف ، وتذكّروا قضية الأعرابي الذي جاءه يطلب شيئا .
ثم قال له : أحسنت إليك ؟
قال : لا ولا أجملت !
فغضب المسلمون ، وقاموا إليه ، فأشار إليهم ؛ لشفقته ورحمته : أن كفّوا ، ثم قام ، ودخل منزله ، وأرسل إليه ، وزاده شيئا ، ثم قال له : أحسنت إليك ؟ قال : نعم ، فجزاك اللّه من أهل وعشيرة خيرا .
فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا أعرابي ! إنك قلت ما قلت ، وفي نفس أصحابي من ذلك شيء ، فإن أحببت ، فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك .
فقال : نعم .
فلمّا كان الغدو أو العشي جاء ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه ، فزعم أنه رضي ، أكذلك هو ؟ . قال : نعم ، جزاك اللهم خير وعشيرة نعمة . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : مثلي ومثل هذا ؛ كمثل رجل -