تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
لم يكتف بقوله : (
فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ
) بل ضم إليه قوله : (
وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ )
« 1 » ؛ لأن الظالم لنفسه كما أنه هاتك لحرمة اللّه في شريعته ؛ فكذا هو هاتك لحرمة رسول اللّه في حقيقته إذ ليس موجود من الموجودات إلا وفيه شعاع من أشعة ذاته صلّى اللّه عليه وسلّم ، والظلم بظلمته يهين ذلك الشعاع ، ويصير سببا لاستتاره ، وانمحاقه ؛ فيصل أثر ذلك الظلم المظلم إلى الحبيب المنوّر بنور العظمة ، والجلال ، والجمال ، والكمال ؛ فيكون الظالم مسيئا في حق اللّه تعالى ، وفي حق الرسول . فإذا تاب إلى اللّه تعالى ؛ لزم عليه أن يتوسل إلى القبول بشفاعة الرسول ؛ لأنه الواسطة بين اللّه تعالى وبين عباده ، وهذا التوسل باق الآن ، وإلى قيام الساعة لا يختصّ به زمان حياه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإن كان يظنه بعض القاصرين ؛ لأن حيّ الآن بحياة لائقة بمقامه العالي ؛ ولذا ندب إلى زيارة روضته ، وعلى تقدير الفوت بحسب الموانع ، وفقدان الشرائط والأسباب ؛ لزم المراجعة إلى وارث من ورثته للتوبة والإنابة . فإن الذين يبايعون الرسول ؛ فإنما يبايعون اللّه ، وإن الذين يبايعون وارث الرسول ؛ فإنما يبايعون الرسول بوساطة ذلك الوارث ، واللّه تعالى بوساطة الرسول ، فالمبايع في الحقيقة هو اللّه تعالى على أيدي الوسائط . ويدلّ على ما ذكرنا : من أنه لا بد من استغفار الرسول إلى قيام الساعة ، ولا يختصّ به زمان دون زمان ما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « حياتي خير لكم ، ومماتي خير لكم ، قالوا : هذا خيرنا في حياتك ، فما خيرنا في مماتك ؟ قال : تعرض عليّ أعمالكم كل عشية الاثنين والخميس ، فما كان من
هامش
( 1 ) قلت : فكان في تسميته نبي التوبة من المعاني والأسرار ، والإشارة إلى مقامه عند مولاه في هذه الدار وفي تلك الدار ، ما شهدت به الآثار وصحيح الأخبار . ووجه آخر : وذلك أن الأمم السالفة كانت إذا أذنبت لا يزول ذنبها إلا بأمور شاقة على النفوس ، وشرع فيه كلفة من الملك القدّوس ، فسهّل اللّه منّة منه سبحانه على هذه الأمة زوال ذنوبها بأمر خفيف على اللسان ، وسهل استعماله في جميع الأزمان ، فكان ذلك رحمة من اللّه بعباده ، رحم الخلائق بها ببعثته إليهم حبيب الرحمن . ووجه آخر : إن اللّه سبحانه سمّاه نبي التوبة إشارة إلى أنه بعثه اللّه تعالى لأمة مرحومة ، غفر لها مولاها برحمة نبيّها قبل استغفارها للّه ، فاستجاب لها وأعطاها ، وفضّلها على سائر الأمم وأكرم مثواها .