وقال اللّه سبحانه وتعالى :
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً
[ النساء : 64 ] .
هامش
- في نفس الأمر ؟ فمنا من يرى أنه عند اللّه كما هو في نفس الأمر ، ومنا من يرى أنه عند اللّه كما هو في الحكم .
ثم قال بعد كلام طويل : فعين الشريعة عين الحقيقة ، والشريعة حقّ كلها ، ولكل حقّ حقيقة ، فحق الشريعة وجود عينها ، وحقيقتها ما ينزل في الشهود منزلة شهود عينها في باطن الأمر ، فيكون في ذلك الباطن كما هي في الظاهر من غير مزيد ، حتى إذا كشف الغطاء لم يختل الأمر على الباطن .
ثم قال : فما ثمّ حقيقة تخالف الشريعة ؛ لأن الشريعة من جملة الحقائق ، والحقائق أمثال وأشباه ، والشرع ينفي ويثبت ، فتقول : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وهذا قول الحقيقة بعينه ، فالشريعة هي الحقيقة .
وأطال في ذلك . وقال فيها أيضا : ومن جملة آداب الحق ما نزلت به الشرائع .
وقال : لما كان الأمر العظيم يجهل قدره ولا يعلم ، ويعز الوصول إليه ، تنزلت الشرائع بآداب التوصل ؛ ليقبلها أولوا الألباب ؛ لأن الشريعة لب العقل والحقيقة لب الشريعة ، فهي كالدهن في اللب الذي يحفظ القشر ، فاللب يحفظ الدهن والقشر يحفظ اللب ، كذلك العقل يحفظ الشريعة والشريعة تحفظ الحقيقة ، فمن ادّعى شرعا بغير عقل لم تصح دعواه ، فإن اللّه تعالى ما كلف إلا من استحكم علقه ، ما كلف مجنونا ولا صبيّا ولا من خرف ، ومن ادّعى حقيقة من غير شريعة فدعواه لا تصح .
ولهذا قال الجنيد : « علمنا هذا يعني علم الحقائق الذي نجا به أهل اللّه مقيّد بالكتاب والسّنة » : أي أنه لا يحصل إلا لمن عمل بكتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذلك هو الشريعة ، وقال : « إن اللّه أدبني فأحسن أدبي ، وما هو إلا شرع له ، فمن تشرّع تأدّب ، ومن تأدّب وصل » .
وقال سيدي عبد اللّه بن أسعد اليافعي رحمه اللّه تعالى في نشر المحاسن :
اعلم أن الشريعة الشريفة المنيفة مشتملة على قسمين : علم وعمل ، ثم العلم من حيث الجملة على قسمين : ظاهر وباطن .
والظاهر على قسمين : شرعي وغير شرعي .
والشرعي على قسمين : فرض ومندوب .
والفرض على قسمين : فرض عين وفرض كفاية .
وفرض العين على ثلاثة أقسام : علم صفات القلب ، وعلم أصل ، وعلم فرع . . وانظر : السيوف الحداد ( ص 50 ) بتحقيقنا .