تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
هامش
- أحكام الأصول ، ورعاية حدود العبودية ، والزنديق يقول ذلك إحالة للأشياء على اللّه ، وإسقاطا للأئمة عن نفسه ، وانخلاعا عن الدين ورسمه ، فأما من كان معتقدا للحلال والحرام والحدود والأحكام ، معترفا بالمعصية إذا صدرت منه ، معتقدا وجوب التوبة منها ، فهو سليم صحيح ، وإن كان تحت القصور بما يركن إليه من البطالة ، ويستروح بهوى النفس إلى الأسفار والتردد في البلاد ، متوصلا إلى تناول اللذائذ والشهوات ، غير متمسك بشيخ يؤدبه ويهذبه ويبصره بعيب ما هو فيه » . واعلم يا أخي سلك اللّه بي وبك سبيل التحقيق الموصل إلى أقوم منهج ، وأعدل طريق ، أن القول بأن ظواهر الأحكام المشروعة للأنام خاصة بالعوام ، منابذة للدين وخروج عن الشرع المتين ، ويلزم عليه أن طريق الخواص ليس فيه شيء من أعمال البر الظاهرة ، وإنما هو على دعواهم أعمال باطنة باهرة . وهذا القول يناقضه حال أكمل الأنام ، وقيامه حتى تورّمت قدماه من طول القيام ، ومكابدة الأصحاب ، ومجاهدة الأحباب بما ليس في وسعنا الإتيان ببعض ذلك ، وإقرارهم بالقصور والعجز عن الوفاء بحقوق السيد المالك ، وما سمع منهم ولا نقل عنهم ما يقول به هؤلاء الأنذال ، مع أنهم في الحضيض الأسفل عن منازل أولئك الأبدال . وهذا القول ألجأهم إلى تمييز الشريعة عن الحقيقة ، ودعوى انفصالهما ليجيبوا إذا سئلوا عن مخالفاتهم ، التي هي بالذم حقيقة أن هذه الأمور من خلف ستور الحقيقة ، مع أن كمّل العارفين لم يفرقوا بينهما إلا بقصد التعريف ، فكلما صلح تعريفا للحقيقة صلح أن يكون للشريعة والطريقة ، فإن الحقيقة شريعة والطريقة كذلك ، وقد رأيت في بعض الرسائل حديثا مرفوعا وهو : « الشريعة مقالي ، والطريقة أفعالي ، والحقيقة حالي » . وعلى تقدير صحته فالشريعة : البيان ، وهو بالمقال وما ينطق عن الهوى وبالأفعال ، وهو أبلغ فاتبعون يحببكم اللّه ، والحال ما ينتجه البيان فعاد الأمر إليه . قال سيدي محيي الدين قدّس اللّه سرّه في كتاب « التراجم » في باب ترجمة الشريعة والحقيقة : لطيفة : يخيل لمن لا يعرف أن الشريعة تخالف الحقيقة ، هيهات بل الشريعة عين الحقيقة ، وأن الشريعة جسم وروح ، فجسمها الأحكام وروحها الحقيقة ، فما ثم إلا شرع لطيفة ، الشريعة : وضع موضوع وضعه الحق في عباده ، فمنه مسموع وغير مسموع ، فلهذا من الأنبياء متبوع وغير متبوع ،وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا[ الأنفال : 21 ] ، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع . وقال في فتوحاته في باب الشريعة : الشريعة من جملة الحقائق ، فهي حقيقة لكن تسمّى شريعة ، وهي حقّ كلها ، والحاكم بها حاكم بحقّ مثاب عند اللّه ؛ لأنه حكم بما كلف أن يحكم به ، وإن كان المحكوم له على باطل ، والمحكوم عليه على حقّ ، فهل هو عند اللّه كما هو في الحكم ، أو كما هو -