تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
الشهداء لمّا بذلوا مهجهم ، وأفنوا ظواهرهم ؛ التحقوا بالفانين في اللّه مطلقا ؛ ولذا حفظ اللّه تعالى أجسادهم عن البلى ، والتفسّخ ؛ كأجساد الصديقين ، وإن كان بين أجسادهم لطافة ونضارة فرق بحسب سريان بركات النفوس إليها ، وصلاح الشهداء أقوى من صلاح مطلق الصالحين ؛ لكونهم مباشرين للجهاد الأصغر الذي هو خصوص مرتبة من مراتب الأعمال الفاضلة . ومعنى المعية المفهومة من الآية : إنهم أهل الحضور والقرب ، وإن كانت درجاتهم متفاوتة في العلم والعمل . فهم : أي المطيعون من هذه الأمة : إمّا صديقون : فهم مع إخوانهم الصديقين في درجاتهم . وإمّا شهداء : فهم مع إخوانهم الشهداء في طبقاتهم . وإمّا صالحون : فهم مع إخوانهم الصالحين في منازلهم ، إلا أنه يغيب بعضهم عن بعض ، وإن تفاوت درجاتهم ، كما لا يغيب خواص السلطان بعضهم عن بعض ، وإن اختلفت مقاماتهم ، وتقاربت أو تباعدت دورهم وبيوتهم ؛ فإن بعضهم ينزلون منازل بعض بالزيارة متى أرادوا ، فإذا كان لا حجاب بين الأصدقاء في هذا الموطن الكشيف ؛ فما ظنك بهم ، وهم في الموطن اللطيف . ولذا قال تعالى :
وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً
[ النساء : 69 ] . : أي جوارا جعلنا اللّه وإياكم من أهل حسن الجوار بحرمة نبيه المختار . وفي قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أحب قوما ؛ فهو منهم » « 1 » . إشارة إلى ما ذكرنا فإن المراد أنه منهم في الدنيا والآخرة . امّا في الدنيا : فبالطاعة والأدب الشرعي . وإمّا في الآخرة : فبالمعاناة والقرب المشهدي ، فإن المحبة رابطة قوية بين المحب والمحبوب ، وتلك الرابطة تقتضي الموافقة على كل حال . فالإنسان لا يلحق الأبرار إلا بأعمالهم ، ولا يرتبط بالمقربين إلا بأحوالهم :
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2283 ) ، ومسلم ( 4 / 2034 ) بنحوه .