هامش
- ذلك ولا تخالفه ، واعمل بما توجه عليك في وقتك مما فيه سلامتك ، واشتغل بنفسك شغلا كليّا ، واهرب إلى محل إجماعهم ، فإن لم تجد إجماعا فكن مع أكثرهم ، فإن لم تجد كثرة فكن مع أصحاب الحديث في تلك المسألة المطلوبة ، وقلّ أن يحتاج أهل الطريق إلى مثل هذا ؛ لأنهم زهدوا في الدنيا فقلّ الحكم عليهم » .
أخبرني شيخنا الشيخ محمد الخليلي حفظه اللّه تعالى قال : كنت أعمل على مراعاة المذاهب ، وأتبع محل الإجماع منها فأعمل به ، فرأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام فقلت : يا رسول اللّه ، هل العمل بالمتفق عليه من شريعتك أولى أو المختلف فيه ؟ قال : فانتهرني وقال : « لا تسأل » .
ففهمت منه أنه لم يرض بهذا السؤال ، ثم ألهمت فقلت له : قد فهمت مرادك يا رسول اللّه ، المتفق عليه من شريعتك ، والمختلف فيه من شريعتك ، والكل من عند اللّه ، قال : هكذا قل . . .
وما ضلوا به وأضلوا هؤلاء اللئام قولهم : إن الشريعة جعلها اللّه ستارة على الحقيقة لأجل العوام ، وليس المراد من الصلاة إلا الوصلة ، والصيام يراد به الإمساك عن رؤية السوى ، والحج : القصد إلى اللّه ، وعرفات يراد به جبل المعرفة ، واستدلوا على ذلك بعبارات العارفين ، وهم إنما أرادوا ذكر المعنى الباطني ، فإن كل شيء له ظاهر وباطن ، فالمتمسك بالظاهر من النصوص فرقة ضالة يقال لها :
« الظاهرية » ، والمتمسك بباطنها فرقة أخرى ضالة يقال لها : « الباطنية » .
والجامع بين الظاهر والباطن هم أهل السّنة والجماعة ، الذين فرقتهم لكل خير جامعة ، وكمّل هذه الطائفة هم الصوفية الأبرار والسادة الأخيار ، فإذا سمعوا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم :
« إنّ الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة » .
أخرجوا من بيوتهم الكلاب والصور عملا بظاهر الحديث ، وفهموا من إشارته أن المراد بالبيت القلب ، وبالكلب الحقد ، وبالصورة تصور الغير ، فبادروا لطهارة القلب منهما ، عملا بإشارة النص ، والإشارة لا تعارض ظاهر العبارة ، وليس مرادهم بهذه الخزعبلات إلا مجرد الاحتيال على إسقاط التكاليف الشرعية ، وإبطال شعائر الملة المرعية .
قال الإمام العارف السهروردي في « عوارف المعارف » : « ومن أولئك : أي المنتمين للصوفية وليس منهم قوم يغرقون في بحار التوحيد ، ويسقطون ولا يثبتون ، لنفوسهم حركة وفعلا ، ويزعمون أنهم مجبرون على الأشياء ، وألا فعل لهم مع اللّه تعالى ، ويسترسلون في المعاصي ، وكلما تدعو النفس إليه ، ويركنون إلى البطالة ودوام الغفلة ، والاغترار باللّه ، والخروج عن الملة ، وترك الحدود والأحكام والحلال والحرام .
وقد سئل سهل عن رجل يقول : أنا كالباب لا أتحرك إلا إذا حرّكت ، قال : هذا لا يقوله إلا أحد رجلين : إما صديق ، أو زنديق ؛ لأن الصديق يقول هذا القول إشارة إلى أن قوام الأشياء باللّه مع -