وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال : كذب النسّابون . يعني أنّهم يدّعون علم الأنساب وقد نفى اللّه علمه عن العباد .
« فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ » :
عضّوها غيظا وضجرا ممّا جاءت به الرسل - كقوله :
« عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ »
« 1 » - أو ضحكا واستهزاء كمن غلبه الضحك فوضع يده على فيه . أو : أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم :
« إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ » ؛
أي : هذا جوابنا ليس عندنا غيره ، إقناطا لهم من التصديق . ألا ترى إلى قوله :
« فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ » ؟
وهذا قول قويّ . أو :
وضعوها على أفواههم يقولون للأنبياء : أطبقوا أفواهكم واسكتوا . أو : وضعوها على أفواه الأنبياء يسكتونهم ولا يذرونهم يتكلّمون . وقيل : الأيدي جمع يد وهي النعمة بمعنى الأيادي . أي : ردّوا نعم الأنبياء التي هي أجلّ النعم من مواعظهم وما أوحي إليهم من الشرائع والآيات في أفواههم . لأنّهم إذا كذّبوها فكأنّهم ردّوها في أفواههم ورجعوها إلى حيث جاءت منه ، على طريق المثل .
« مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ » ؛
أي : الإيمان .
« مُرِيبٍ » ؛
أي : موقع في الريبة . أو : ذي ريبة ، وهو قلق النفس وأن لا تطمئنّ إلى الأمر . « 2 »
« بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ »
على زعمكم . « 3 »
[ 10 ]
[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 10 ]
قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 10 )
« أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ » ؛
أي : لا يحتمل الشك لظهور الأدلّة عليه .
« يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ » ؛
أي :
يدعوكم إلى الإيمان ليغفر لكم . أو : يدعوكم لأجل المغفرة . كقولك : دعوته لينصرني . فإن قلت : ما معنى التبعيض في قوله :
« مِنْ ذُنُوبِكُمْ » ؟
قلت : ما علمته جاء هكذا إلّا في خطاب الكافرين ؛ كقوله :
« وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ » .
« 4 »
« يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ
هامش
( 1 ) - آل عمران ( 3 ) / 119 .
( 2 ) - الكشّاف 2 / 542 .
( 3 ) - تفسير البيضاويّ 1 / 514 .
( 4 ) - نوح ( 71 ) / 3 - 4 .