جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً
مجتمعين أو متفرّقين نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده أو في قوم من الأنصار إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا معه أو في قوم تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف الطعام في القزازة والتهمة
فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً
من هذه البيوت
فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ
على أهلها الذين هم منكم دينا وقرابة
شرح
حقيقي إذ هو لا يسرق ليس بشيء إذ الشرع ناظر إلى الظاهر لا إلى السرائر . قوله : ( مجتمعين أو متفرقين ) جميعا كأجمعين لا يفيد الاجتماع في وقت واحد خلافا للفراء لكنها هنا دلت على ذلك بمقابلة أشتاتا وأمّا القول بأنه إشارة إلى أنّ جميعا بمعنى مجتمعين أطلق على الجمع كالصديق فلا وجه له لأنّ جميعا بمعنى كل لفظه مفرد ومعناه جمع . قوله : ( كانوا يتحرّجون أن يأكل الرجل وحده ) أي يعدّونه حرجا وإثما وهذه سنة للعرب موروثة من الخليل عليه الصلاة والسّلام كما قال حاتم :إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له * أكيلا فإني لست آكله وحدي . . .وفي الحديث « شر الناس من أكل وحده وضرب عبده ومنع رفده » ( 1 ) والنهي في الحديث لاعتياده بخلا بالقرى نفي الحرج عن وقوعه أحيانا بيان لأنه لا إثم فيه ولا يذم به شرعا كما ذمّت به الجاهلية فلا حاجة إلى القول بأنّ الوعيد في الحديث لمن اجتمعت فيه الخصال الثلاث دون الانفراد بالأكل وحده فإنه يقتضي أنّ كلا منها على الانفراد غير منهيّ عنه وليس كذلك والقول بأنهم أهل لسان لا يخفى عليهم مثله ولكن لمجيء الواو بمعنى أو تركوا كل واحد منهما احتياطا لا وجه له لأنّ هؤلاء المتحرجين لم يتمسكوا بالحديث وكون الواو بمعنى أو توهم لا عبرة به ولا شك أنّ اجتماع الأيدي على الطعام سنة فتركه بغير داع منه . قوله :
( لاختلاف الطعام الخ ) قيل إنه كحكام وحفاظ جمع طاعم كآكل لفظا ومعنى ولم نره في شيء من كتب اللغة ولو قيل إنه الطغام بفتح الطاء وبالغين المعجمة وهم أسافل الناس أو العامّة جاز والقزازة بقاف مفتوحة وزاءين معجمتين فسره في الكشف بالتباعد عن الناس وفي القاموس التباعد عن الدنس وفي الحواشي هو مدح والكزازة ذم وهو غير مناسب والمناسب ما في أفعال السرقسطي إنه كراهة المأكول والمشروب يقال قززت الشيء إذا عفته وهو ضدّ النهمة وهي اشتهاء الطعام والرغبة فيه والمعنى أنّ الناس يختلفون في كراهة الطعام ومحبته فمن أحبه كره مشاركة الناس لشرهه . وقوله : من هذه البيوت أي السابقة بقرينة الفاء فمن خصه ببيت نفسه والسّلام على أهله لم يصب . قوله : ( فسلموا على أنفسكم الخ ) يشير إلى أنّ المراد بالأنفس من هم بمنزلتها لشدّة الاتصال كقوله ولا تقتلوا أنفسكم ويحتمل أنّ المسلم إذا ردّت تحيته عليه فكأنه سلم على نفسه كما أنّ القاتل لاستحقاقه القتل بفعله كأنه قاتل نفسه وأمّا إبقاؤه على ظاهره لأنه إذا لم يكن في البيت أحد يسن أن يقول السّلام علينا على عباد اللّه الصالحين كما روي عن ابن عباس فبعيد غير مناسب لعموم الآية والسّلام بمعنى السلامة من الآفات وقيل إنه اسم من أسمائه وفي الانتصاف سماهم أنفسا إشارة إلى إباحة الأكل كما يباح لكل أحد الأكل