الصَّالِحاتِ
خطاب للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وللأمة أو له ولمن معه ومن للبيان
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
ليجعلنهم خلفاء متصرفين في الأرض تصرف الملوك في مماليكهم وهو جواب قسم مضمر تقديره وعدهم اللّه وأقسم ليستخلفنهم أو الوعد في تحققه منزل منزلة القسم
كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
يعني بني إسرائيل استخلفهم في مصر والشأم بعد الجبابرة وقرأ أبو بكر بضم التاء وكسر اللام وإذا ابتدأ ضم الألف والباقون بفتحهما وإذا ابتدؤوا كسروا الألف
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ
وهو الإسلام بالتنويه والتثبيت
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ
من الأعداء وقرأ ابن كثير وأبو بكر بالتخفيف
أَمْناً
منهم وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين ثم هاجروا إلى المدينة وكانوا يصبحون في السلاح ويمسون فيه حتى أنجز اللّه وعده فأظهرهم على العرب كلهم وفتح لهم بلاد الشرق والغرب وفيه دليل على صحة
شرح
بمقام التبليغ . قوله : ( خطاب للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وللأمّة ) أمّة الرسول أمّة دعوة وهم من بعث إليهم مطلقا وأمّة إجابة وهم من آمن به ويصح كل منهما هنا سواء قلنا الخطاب الشفاهي يخص الموجودين في زمنه أم لا لوجودهما في عصره وبعده فلا وجه لما قيل إنه يعني أمّة الإجابة على مذهب من لا يخص الشفاهي بالموجودين في زمنه ويجوز أن يراد به أمّة الدعوة الموجودين في عهده فلا يخص المؤمنين فمن تبعيضية . قوله : ( ومن للبيان ) وقيل للتبعيض أي المهاجرين منهم فإنهم الخلفاء وهذا على الوجه الثاني وقيل على التقديرين أن أريد بالأمّة أمّة الإجابة وإلا فعلى الثاني وفيه نظر وفيه تنويع للخطاب خاطب القسمين على تقدير التولي ثم صرف الخطاب عنهم إلى المؤمنين الثابتين وهو كالاعتراض فلما ذكر أنه ينبغي أن يأمرهم بالطاعة كفاحا ولا يخاف مضرّتهم أكده بأنه هو الغالب ومن معه فليس للخوف مجال ولا يجوز أن تكون من تبعيضية حينئذ كذا في الكشف مع وجه آخر لم يرتضه ثم إنه قدّم من ومجرورها هنا وآخرهما في الفتح إشارة إلى أنّ مدار الاستخلاف الإيمان فإنّ الخليف لا ينعزل بالفسق ومدار المغفرة والأجر العظيم الإيمان والعمل الصالح معا كما قدّم المفعول على المعطوف في قوله :وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ[ سورة البقرة ، الآية : 127 ] إشارة إلى أنّ الرافع إبراهيم وإسماعيل تبع له . قوله : ( تقديره الخ ) فالمفعول محذوف دلّ عليه جواب القسم أي استخلافهم وتمكينهم لأنّ وعد يتعدّى لمفعولين وعلى الثاني ليستخلفنهم منزل منزلة المفعول وما في كما استخلف مصدرية وهو صفة لمحذوف أي استخلافا مثل استخلافهم .
وقوله : بعد الجبابرة أي بعد إهلاكهم قيل واستخلافهم بمصر وتملكهم لها مخالف لما في التواريخ . قوله : ( بالتقوية والتثبيت ) يشير إلى أنه مأخوذ من المكان لكن أجريت فيه الميم مجرى الحروف الأصلية كتمسكن وأصله جعل الشيء في مكان ثم استعمل في لازمه وهو الثبوت والتقوية والمكنة . وقوله : من الأعداء متعلق بخوفهم وهو بمقتضى البشرية ولذا قال اللّه : لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم واللّه يعصمك من الناس وقرىء ليبدلنهم بالتخفيف من الإبدال . قوله : ( عشر سنين ) قيل إنه مخالف لما اشتهر من أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أقام بمكة ثلاث عشرة سنة وموافق لمن قال