الآية ما يدفعه لينسخ أحدهما بالآخر نسخا مقبولا أو مرذودا وله في العبد ثلاثة أقوال
شرح
أن يرى الإمام في ذلك مصلحة فيعزره على قدر ما يرى وذلك تعزير وسياسة لأنه قد يفيد في بعض الأحوال فيكون الرأي إلى الإمام انته ، يعني أنّ ما ذكر وقع موقع الجزاء مبينا لما يترتب على الزنا ويجازى به فلا بدّ أن يكون جميع جزائه وإلا كان تجهيلا في مقام البيان فكأنه قيل ليس له إلا الجلد وحينئذ يعارضه الحديث فيكون ناسخا ومنه ظهر الجواب عما قاله المصنف رحمه اللّه من طرف الشافعي من إثباته بالحديث وعدم نسخه لأنه لا يسلم كون ما بعد الفاء جميع الجزاء ولا يقول بأنه تعزير لأنه لا يجمع بين الحدّ والتعزير بسبب واحد فإنه غير مسلم فهو أمر للسياسة موكول لرأي الإمام وما قيل من أنّ الفاء للجزاء وهو ما كان كافيا لأنه من جزأ بالهمز أي كفى وهو على اختيار الفراء والمبرد في إعراب الآية على ما مرّ وأنّ قوله الزانية والزاني شروع في بيان حكم الزنا ما هو فكان المذكور تمام حكمه وإلا كان تجهيلا لا بيانا وتفصيلا إذ يفهم منه أنه تمام وليس بتمام في الواقع فكان مع الشروع في البيان أبعد من البيان لأنه أوقع في الجهل المركب وكان قبله في البسيط وهذا يعم المذاهب في إعراب الآية فيه أنّ الجزاء مصدر جازيته جزاء وهو منقوص بلا شبهة كما يدلّ عليه الاستعمال واللغة وقلب حرف العلة فيه همزة لتطرفه كما في كساء وأمّا جزأ وأجزأ المهموز فهو مادة أخرى فهو خلط في اللغة غير محتاج إليه ثم إنه كيف يكون تمام حكمه وليس فيه حكم المحصن والعبد فكيف يقال إنه تفصيل للحكم فالظهر أنّ الآية مجمل مبينة بفعله صلّى اللّه عليه وسلّم الثابت بالأحاديث الصحيحة فتأمّل . قوله :
( نسخا مقبولا أو مردودا ) الزيادة على نص الكتاب عند علمائنا نسخ وعند الشافعيّ بيان مخصص حتى يجوز بخبر الواحد والقياس ولا يقبل ذلك عندنا فقوله مقبولا أو مردود إشارة إلى مذهب الحنفية وفي الكشاف ما احتج به الشافعيّ على وجوب التغريب من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم والبكر بالبكر « 1 » الخ منسوخ أو محمول على التعزير والتأديب من غير وجوب واعترض عليه بأنه بناء على أنّ الزيادة على النص نسخ ولا ينسخ الكتاب بخبر الآحاد والحديث المذكور في مسلم والترمذيّ وأبي داود كما مرّ في سورة النساء فلو سلم لهم الأصل الأوّل لا يسلم الثاني فأمّا المرويّ عن الصحابة فلا يحتمل النسخ أصلا وردّ بأنّ قوله منسوخ متعلق بالحديث وقوله أو محمول جواب ثاني عن الحديث بما يصلح جوابا عن فعل الصحابة وليس بإجماع منهم ولو كان إجماعا لصلح كاشفا عن ناسخ الآية على المذهبين وقال الطيبي ما رواه الترمذي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه صلّى اللّه عليه وسلّم ضرب وغرّب وأنّ أبا بكر رضي اللّه عنه ضرب وغرّب وأنّ عمر رضي اللّه عنه ضرب وغرّب « 2 » ولا يعلم منكر إجماع والحمل على التعزير لا وجه له إذ لا
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم 1690 ، وأبو داود 4415 ، والترمذي 1434 وأحمد 5 / 318 والطبري رقم 8806 و 8807 ، والبيهقي 8 / 210 والطحاوي 2 / 79 والطيالسي 584 والدارمي 2 / 181 ، وابن الجارود 810 كلهم من حديث عبادة الصامت .
( 2 ) أخرجه الترمذي 1438 والبيهقي 8 / 223 كلاهما عن ابن عمر وصححه الألباني في الإرواء رقم 2344 .