تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
في ديمة
يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً
أي العطشان وتخصيصه لتشبيه الكافر به في شدّة الخيبة عند مسيس الحاجة
حَتَّى إِذا جاءَهُ
جاء ما توهمه ماء أو موضعه
لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
مما ظنه
شرح
تخصيص الظمآن بالذكر مع أنه يتراءى لكل أحد كذلك فكان الظاهر الرائي بدله لما ذكر ولم يرد أنّ المراد بالظمآن هنا الكافر كما في الكشاف وإن صح إرادته أيضا من أنه شبه ما يعمله من لا يعتقد الإيمان بسراب يراه الكافر بالساهرة وقد غلبه عطش القيامة فيحسبه ماء فيأتيه فلا يجده ويجد زبانية اللّه عنده يأخذونه فيسقونه الحميم والغساق وفي شرحه إنما قيده به ولم يطلقه لقوله : ووجد اللّه الخ لأنه من تتمة أحوال المشبه به وهو أبلغ لأنّ خيبة الكافر أدخل وأعرق ونحوه مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا الخ فإنّ الكافرين هم الذين يذهب حرثهم بالكلية يعني أنه شبه أعمال الكفار التي يظنونها نافعة ومآلها الخيب برؤية الكافر الشديد العطش في المحشر سرابا يحسبه شرابا فينتظم عطف وجد اللّه أحسن انتظام كما نوّروه وهو تشبيه تمثيلي أو مقيد ولا مفرّق كما توهم فلا يلزم من اتحاد بعض المفردات في الطرفين تشبيه الشيء بنفسه كاتحاد الفاعل في أراك تقدّم رجلا وتأخر أخرى فلا وجه لما قيل إنّ جعل الظمآن هو الكافر حتى تطرد الضمائر للظمآن يؤول لتشبيه الشيء بنفسه كما قيل :وشبه الماء بعد الجهد بالماءيعني قول بعض الشعراء في حمام :للّه يوم بحمام نعمت به * والماء من حوضه ما بيننا جاري . . .كأنه فوق مسعاة الرخام ضحى * ماء يسيل على أثواب قصار . . .فإنه عيب عليه حتى قال فيه بعضهم :وشاعر أوقد الطبع الذكيّ له * فكاد يحرقه من فرط لألاء . . .أقام بعمل أياما رويته * وشبه الماء بعد الجهد بالماء . . .وليس بشيء لما عرفت وكذلك هذا الشاعر فإنه شبه هذا الرخام الأبيض في الحمام بشقة قصار بيضاء جرى عليها الماء ولم يرد تشبيه الماء ولكن لما ذكره في الطرفين جاء باردا فأشار الشاعر إلى برودته بما ذكره وليس في الآية ما يضاهي ذلك فافهم فإنه من النكات الأدبية . قوله تعالى :لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاًقيل يجوز أن يكون شيئا بدلا من الضمير ويجوز إبدال النكرة من المعرفة بلا نعت إذا كان مفيدا صرّح به الرضي أو حالا أو وجد من أخوات ظنّ فشيئا مفعول ثان . قوله : ( مما ظنه ) فسره به إشارة إلى أنّ الحسبان بمعنى الظنّ وهو المشهور وأن فرق بينهما الراغب بأنّ الظنّ أن يخطر النقيضين بباله ويغلب أحدهما على الآخر والحسبان أن يحكم بأحدهما من غير أن يخطر الآخر بباله وقيده به لدفع ما يتوهم من التناقض بين مجيئه له وكونه غير شيء ولذا قيل إنّ المراد بكونه غير شيء أنه غير معتد به والتوهم في كلامه مقابل اليقين فيشمل الظنّ فليس في كلامه شيء ويدفعه أيضا تقدير مضاف وهو موضعه وإذا لم يقدر فمجيئه