للمبالغة في فقرهم كأنهم لشدّة افتقارهم وكثرة احتياجهم هم الفقراء ، وأنّ افتقار سائر الخلائق بالإضافة إلى فقرهم غير معتدّ به ولذلك قال :
وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
[ سورة النساء ، الآية : 28 ]
وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
المستغني على الإطلاق المنعم على سائر الموجودات حتى استحق عليهم الحمد
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
بقوم آخرين أطوع منكم ، أو بعالم آخر غير ما تعرفونه
وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
بمتعذر أو متعسر
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
ولا تحمل نفس آثمة ثم نفس أخرى وأما قوله وليحملنّ أثقالهم ، وأثقالا مع أثقالهم ففي الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم وكل ذلك أوزارهم ليس فيها شيء من أوزار غيرهم
وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ
نفس أثقلها الأوزار
شرح
سواهم مع افتقار جميع الممكنات لواجب الوجود فجعل هؤلاء لشدّة احتياجهم كأنه لا فقير سواهم مبالغة ، وقوله وإنّ افتقار الخ الخ إشارة لما ذكر ، ولذا عطف بالواو كما هو في النسخ الصحيحة وأما عطفه بأو على ما وقع في بعضها فكأنه من سهو الناسخ وتوجيهه بأنّ شدّة الافتقار على الأوّل في أنفسهم وفي هذا بالإضافة لغيرهم بعيد يأباه سياقه لا يقال مثل هذا الاحتياج موجود في الجنّ حتى يدخلون في الناس تغليبا لأنه مما لا وجه له إذ هم لا يحتاجون في المطعم ، والملبس وغيره كما يحتاج الإنسان وضعفهم ليس كضعفه مع أنه لا يضر إذ الكلام مع من يظهر القوّة والعناد من الناس ، وأما احتمال كون القصر إضافيا بالنسبة إليه تعالى فمع كونه عدولا عن الظاهر بلا ضرورة ومع فوات المبالغة المستفادة من العموم يكون قوله واللّه هو الغني مستدركا والتأسيس خير من التأكيد فلا وجه للاقتداء بالإمام فيه ، وما ذكر من سبب النزول وأنه لما كثر الدعاء من النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والإصرار من الكفارة قالوا لعل اللّه محتاج لعبادتنا فنزلت لا يفيده شيئا فإنّ قوله واللّه هو الغني كاف في الردّ عليهم . قوله : ( المستغني على الإطلاق ) أي عن كل شيء ، وقوله المنعم تفسير لقوله الحميد فإنّ أصل معناه المحمود لكن المراد به هنا بطريق الكناية ذلك ليناسب ذكره بعد فقرهم إذ الغنيّ لا ينفع الفقير إلا إذا كان جوادا منعما ومثله مستحق للحمد فأريد به المستحق للحمد لأنعامه لا الاستحقاق الذاتي ، وقوله على سائر الموجودات أي جميعها من الإطلاق وعدم ذكر المتعلق ، وقوله حتى استحق أي بواسطة أنعامه لا الاستحقاق الذاتي فإنه ثابت على كل حال . قوله : ( بقوم آخرين ) هذا على أنّ خطاب يذهبكم للمشركين أو للعرب ، وقوله أطوع منكم أي أكثر طاعة لأنّ إذهابهم لا يكون إلا لعدم رضاه لعصيانهم ، وقوله بعالم آخر أي غير الناس بناء على أنه عامّ ، وقوله بمتعذر الخ لأنه من عز عليه كذا إذا صعب قال تعالى :عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ[ سورة التوبة ، الآية : 128 ] والمتعذر أصعب من غيره . قوله : ( ولا تحمل نفس آثمة الخ ) آثمة تفسير لوازرة لأنّ الوزر الإثم وهو صفة نفس مقدّرة ، ولذا أنث كأخرى وقوله وأما قوله الخ إشارة إلى أنّ هذه الآية لا تنافي تلك الآية التي في العنكبوت ، لأنّ ما ثم بالتسبب وهو المشار إليه في حديث من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من يعمل بها إلى يوم القيامة . قوله : ( ليس فيها