تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 576

مساهمون:

ص٥٧٦
صالح لم يقبل »
وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ
المكرات السيئات يعني مكرات قريش للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والسّلام في دار الندوة ، وتداورهم الرأي في إحدى ثلاث حبسه وقتله وإجلائه
لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ
لا يؤبه دونه بما يمكرون به
وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ
يفسد ولا ينفذ لأنّ الأمور مقدّرة لا تتغير به كما دل عليه بقوله :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ
بخلق آدم عليه السّلام منه
ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ
بخلاق ذرّيته منها
ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً
ذكرانا وإناثا
وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ
إلا معلومة له
وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ
وما يمدّ في عمره من مصيره إلى
شرح
مسعود رضي اللّه عنه ، وقوله فحيا من التحية يقال حياه اللّه أي أبقاه فهو في الحياة ، وقيل إنه من استقبال المحيا وهو الوجه وهو المناسب هنا على سبيل الاستعارة فالمعنى أنه يستقبل به اللّه والمراد رجاء رضا اللّه به ، وقوله فإذا لم يكن الخ أي على هذا التفسير والمراد لم يقبل قبولا كاملا إن لم يرد ما يشمل العمل القلبي كالتصديق . قوله : ( المكرات السيئات ) يعني السيئات منصوب على أنه صفة المصدر لأنّ مكر لازم وقد جوّز نصبه على تضمين يقصدون أو يكسبون وعلى الأوّل فيه مبالغة للوعيد الشديد على قصده أو هو إشارة إلى عدم تأثير مكرهم ، ودار الندوة دار بمكة كانوا يجتمعون فيها للمشاورة وفصل الأمور والندوة الاجتماع ومنه النادي وقصتها مشهورة ، والتداور تفاعل بمعنى دارة للرأي فيما بينهم والمحاورة فيه . قوله : ( لا يؤبه دونه ) يقال لا يؤبه ولا يعبأ بمعنى يعتدّ به يعني أنّ ما مكروا به لا يعتدّ به بالنسبة للعذاب المعدّ لهم عند اللّه ، وقوله يفسد أصل معنى البوار الكساد أو الهلاك فاستعير هنا للفساد وعدم التأثير لأنّ الكاسد يكسد لفساده ولأنّ الهالك فاسد لا أثر له . قوله : ( لأنا الأمور مقدّرة لا تتغير به ) أي بمكر أولئك ليس فيه حصر التأثير في التقدير ونفي اختيار العبد وكسبه حتى يكون على مذهب الجبرية كما توهم بل إن ما قدّره اللّه لا يتغير كما أن ما علمه كذلك ، ولا حاجة إلى أن يقال المراد بالأمور أمور النبوّة فقط لأن للتقدير فيها تأثيرا ظاهرا لا يتغير ومثله بعد ما قرّر من مذهب الأشاعرة في الكلام تعصب فتأمل . قوله : ( كما دل عليه بقوله واللّه ) إلى آخر الآية فإنه دل على أنّ كل ما يقع جار على مقتضى علمه وقدرته ، وقوله بخلق آدم الخ تقدّم فيه وجوه أخر فتذكرها . قوله : ( إلا معلومة له ) من في قوله من أنثى مزيدة في الفاعل ، وقوله بعلمه حال منه أي ملتبسة بعلمه وليس فيه تصريح بذي الحال لكن الظاهر أنه الحامل والواضع لا المحمول والموضوع لعدم ذكرهما ، ولا الحمل والوضع نفسهما لأنه خلاف الظاهر والمراد العلم بحملها ووضعها تفصيلا لقوله ، ويعلم ما في الأرحام لأنه لو قصد العلم بذاتها لم يكن لذكر الحمل والوضع فائدة فلا يتوهم أنه لا يلزم من العلم بالحامل العلم بحملها ، وسيأتي تفصيله في حم السجدة . قوله : ( وما يمدّ في عمره من مصيره إلى الكبر ) إمّا أن يريد أن معمر من مجاز الأول كقوله من قتل قتيلا لئلا يلزم تحصيل الحاصل كما قيل أو أن يعمر مضارع فيقتضي أن لا يكون معمرا بعد ولا ضرورة للحمل على الماضي كما قيل ، وأما ما أورد على الأوّل من أنه لا يلزم من تعمير المعمر تحصيل الحاصل فرده معلوم مما مرّ تحقيقه في قوله
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 576 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي