إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ
يلقيه ، وينزله على من يجتبيه من عباده أو يرمي به الباطل فيدمغه أو يرمي به إلى أقطار الآفاق فيكون وعدا بإظهار الإسلام وإفشائه ، وقرأ نافع وأبو عمرو بإسكان الياء
عَلَّامُ الْغُيُوبِ
صفة محمولة على محل أن واسمها أو بدل من المستكن في يقذف أو خبر ثان أو خبر محذوف ، وقرئ بالنصب صفة لربي أو مقدّرا بأعني وقرأ حمزة وأبو بكر الغيوب بالكسر كالبيوت ، وبالضم كالعشور وقرئ بالفتح كالصبور على أنه مبالغة غائب
قُلْ جاءَ الْحَقُّ
أي الإسلام
وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ
وزهق الباطل أي الشرك بحيث لم يبق له أثر مأخوذ من هلاك الحي فإنه إذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة قال :
أقفر من أهيله عبيد * فاليوم لا يبدي ولا يعيد
وقيل الباطل إبليس أو الصنم والمعنى لا ينشئ خلقا ولا يعيده أو لا يبدئ خيرا لأهله ولا يعيد ، وقيل ما استفهامية منتصبة بما بعده
قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ
عن الحق
فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى
شرح
الماضي فيناسب تفسيره بما ذكر فلذا لم يتبعه لأنّ الشرطية تقتضي أنه أمر غير معين بل مفروض لم يقع فلا تكن من الغافلين فالاستشهاد بالآية الأولى فيه خفاء فتأمّل . قوله : ( يلقيه وينزله الخ ) يعني أنّ أصل معنى لقذف الرمي بدفع شديد وليس معناه الحقيقي مرادا هنا فهو إما مجاز عن الإلقاء في القلب إن أريد بالحق الوحي وما يضاهيه وهو من استعمال المقيد في المطلق والباء الظاهر أنها زائدة ويجوز أن تكون للملابسة أو السبب أو بتضمين معنى الرمي ، وقوله أو يرمى به الباطل الخ على أنّ المراد بالحق مقابل الباطل والقذف به عليه إيراده عليه حتى يبطله ويزيله ففيه استعارة مصرحة تبعية والمستعار منه حسيّ ، والمستعار له عقلي والوجه الثالث هو مجاز عن إشاعته في الآفاق وهو استعارة أيضا ويجوز أن يكون فيهما مكنية . قوله :
( على محل إن واسمها ) لم يجعل المحل لاسمها لأنه لا محل له إذ شرطه بقاء المحرز وهذا منعه بعض النحاة أيضا في غير العطف ، ولا يلزم على البدلية خلوّه من العائد لأنه ليس في نية الطرح من كل الوجوه وكسر الغيوب وضمه على أنه جمع والفتح على أنه مفرد للمبالغة كالصبور وفي نسخة الصيود بالدال المهملة . قوله : ( وزهق الباطل الخ ) بيان لحاصل المعنى وأنّ المراد بالباطل الشرك ، والإبداء والإعادة الأوّل فعل أمر ابتداء والثاني أن يفعله على طريق الإعادة ولما كان الإنسان ما دام حيا لا يخلو عن ذلك كني به عن حياته ، وبنفيه عن هلاكه ثم شاع ذلك في كل ما ذهب وإن لم يبق له أثر وإن لم يكن ذا روح فهو كناية أيضا أو مجاز متفرّع على الكناية وإليه أشار المصنف رحمه اللّه ، والفعلان منزلان منزلة اللازم أو المفعول محذوف . قوله : ( أقفر الخ ) الشعر لعبيد بن الأبرص قاله : عندما أراد النعمان قتله في يوم بؤسه وقصته مفصلة في مجمع الأمثال فلا حاجة لها هنا وأقفر بمعنى خلا والمراد به فارق أهله عبيد وإنما عبر به مشاكلة لقول النعمان لما قال له أنشدنا قولك :أقفر من أهله ملحوبالخ وملحوب اسم مكان وقوله وقيل الخ فعلى هذا لا كناية فيه والمعنى أنه لا يقدر على