القول وشدّده الكوفيون بمعنى حقق ظنه أو وجده صادقا ، وقرئ بنصب إبليس ورفع الظن مع التشديد بمعنى وجده ظنه صادقا ، والتخفيف بمعنى قال له ظنه الصدق حين خيله إغواءهم وبرفعهما والتخفيف على الإبدال ، وذلك إمّا ظنه بسباحين رأى أنهماكهم في الشهوات أو ببني آدم حين رأى أباهم النبي ضعيف العزم أو ما ركب فيهم من الشهوة والغضب ، أو سمع من الملائكة قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها فقال : لأضلنهم ولأغوينهم
فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
إلا فريقا هم المؤمنون لم يتبعوه وتقليلهم بالإضافة إلى الكفار أو إلا فريقا من فرق المؤمنين لم يتبعوه في العصيان ، وهم المخلصون
وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ
تسلط واستيلاء بالوسوسة والاستغواء
إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ
شرح
كما في الحديث : « صدق وعده ونصر عبده » « 1 » قال تعالى :رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ[ سورة الأحزاب ، الآية : 23 ] قال الراغب : الصدق والكذب أصلهما في القول ماضيا كان أو مستقبلا وعدا كان أو غيره ولا يكونان بالقصد الأوّل إلا في الخير ، اه فضمير لأنه للصدق وقيل إنه للظن وهو من القول إمّا مجاز الشدة الاتصال بينهما أو حقيقة على أنّ المراد من الظن ما هو لفظي ، أو على أن يراد بالقول القول النفسي وهو يوصف بالصدق فتأمل . قوله : ( بمعنى حقق ظنه ) أي صدّق بمعنى حقق مجازا لأنه ظن شيئا فوقع فحققه وهذا صريح فيما مرّ ، وقوله بمعنى وجده ظنه صادقا والعرب تقول صدّقك ظنك ، والمعنى أنّ إبليس كان يسوّل له ظنه شيئا فيهم فلما وقع جعل كأنه صدّقه وعلى متعلق بصدّق لا بالظن كما قاله ابن جنى وقوله خيله إغواءهم برفع إغواؤهم على الفاعلية أو نصبه على الحذف ، والإيصال وفاعله ضمير الظن أي خيل له إغواءهم ، وقوله على الإبدال أي إبدال الظن من إبليس بدل اشتمال ، وقوله وذلك أي ظنه فضمير عليهم لسبأ أو لبني آدم مطلقا وقوله حين رأى أباهم النبي هو آدم صلّى اللّه عليه وسلّم وهذا بيان للوجه الثاني ووصفه بالنبوّة لأنه إذا ضعف عزمه مع نبوّته فما بالك بأولاده ولم يدر ما في أولاده من أولي العزم وما ركب معطوف على أباهم . قوله : ( أو سمع من الملائكة قولهم أتجعل فيها الخ ) فكان ما سمعه سببا لظنه وعزمه على إغوائهم وإضلالهم وهذا جار على الوجهين في ضمير عليهم ويجوز أن يكون على الوجه الثاني . قوله : ( إلا فريقا هم المؤمنون ) فمن بيانية ومتبعوه على هذا هم الكفار ، وهذا ظاهر على إرجاع ضمير عليهم لبني آدم وعلى أن يراد سبأ يلزم إيمان بعض منهم وعلى الثاني فمن تبعيضية والمراد مطلق الاتباع الذي هو أعمّ من الكفر . قوله : ( تسلط واستيلاء ) فالسلطان مصدر بمعنى التسلط ، وفسره بالوسوسة ليوافق ما في غير هذه الآية من نفي سلطانه لأنه بمعنى التسلط بالقهر التام والاستثناء مفرغ من أعمّ العلل أي ما كان تسليطه لأمر من الأمور إلا للعلم وقد جوّز فيه الانقطاع ، وهو بعيد أي ما كان له
هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني في « الكبير » 8471 وذكره الهيثمي في المجمع 9966 وقال : فيه انقطاع اه فالخبر ضعيف .