تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
الرائح في قرية إلى أن يبلغ الشام
سِيرُوا فِيها
على إرادة القول بلسان الحال أو المقال
لَيالِيَ وَأَيَّاماً
متى شئتم من ليل أو نهار
آمِنِينَ
لا يختلف إلا من فيها باختلاف الأوقات أو سيروا آمنين ، وإن طالت مدّة سفركم فيها أو سيروا فيها ليالي أعماركم وأيامها لا تلقون فيها إلا الأمن
فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا
أشروا النعمة وملوا العافية كبني إسرائيل فسألوا اللّه أن يجعل بينهم وبين الشأم مفاوز ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرواحل ، وتزوّد الأزواد فأجابهم اللّه بتخريب القرى المتوسطة ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بعد ويعقوب ربنا باعد بلفظ الخبر على أنه شكوى منهم لبعد سفرهم إفراطا في الترفيه ، وعدم الاعتداد بما أنعم اللّه عليهم فيه ومثله قراءة من قرأ ربنا بعد أو بعد على النداء ، وإسناد الفعل إلى بين
وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
حيث بطروا النعمة أو لم يعتدّوا بها
شرح
( وقدّرنا ) أي جعلنا بين قراها مقادير مساوية فمن سار من قرية صباحا وصل إلى أخرى وقت الظهيرة والقيلولة ومن سار بعد الظهر وصل إلى أخرى عند الغروب فلا يحتاج لحمل زاد ولا مبيت في أرض خالية ، ولا يخاف من عدوّ ونحوه وهذا معنى قوله بحيث الخ . قوله : ( سيروا فيها ) في إشعار بشدّة القرب حتى كأنهم لم يخرجوا من نفس القرى ، وقوله بلسان الحال كأنهم لما تمكنوا منه جعلوا مأمورين به فالأمر للإباحة والمقال على لسان نبي ونحوه كما مرّ . قوله : ( متى شئتم من ليل أو نهار ) بيان لفائدة ذكر الليالي والأيام والسير لا يخلو عنهما بأنه لاستمرارا منها بحيث لا تختلف أوقاته ، أو المراد الأمن وإن طالت مدّته فهو للتكثير أو هو كناية عن مدّة أعمارهم وتقديم الليالي لسبقها ، وفي الأوّلين لأنها مظنة الخوف أيضا ودلالته على ما ذكر بطريق الكناية وقد يجعل في بعضها مجازا . قوله : ( أشروا النعمة ) أي سئموا وبطروا كما يشتهي من أكثر من شيء ضدّه كبني إسرائيل إذ طلبوا الثوم والبصل بدلا من المنّ والسلوى فطلبوا تبديل اتصال العمار بالمفاوز والقفار ليظهروا بقدرتهم الفخر ، والكبر على الفقراء العاجزين ، وقوله ملوا العافية في بعض النسخ قلوا بمعنى استقلوا والظاهر أنه تحريف . قوله : ( وقرأ الخ ) قراءة هشام بعد بتشديد العين وأنه فعل أمر والباقون باعد طلبا من المفاعلة وفاعل بمعنى فعل فعلى الأمر طلبوا البعد لبطرهم ، وعلى الخبر فهو إمّا شكوى من مسافة ما بين قراهم مع قصرها لتجاوزهم في الترفه والتنعم ، أو شكوى من بعد الأسفار التي طلبوها أوّلا بعد وقوعها فيتقارب المعنى على القراءتين كما قاله أبو حيان : أو دعاء بلفظ الخبر ونصب بين بعد كل فعل متعدّ في إحدى هذه القراءات ماضيا كان أو أمرا عند أبي حيان على أنه مفعول به لا ظرف ، ويؤيده أنه قرئ برفعه وضم نونه أو على الظرفية والفعل منزل منزلة اللازم أو متعدّ مفعوله محذوف تقدير بعد السير بين أسفارنا وهو أسهل من إخراج الظرف الغير المتصرّف عن ظرفيته وفي قراءة سفرنا بالإفراد وهي شاذة . قوله : ( وإسناذ الفعل إلى بين ) برفعه لفظا أو محلا على أنّ حركته بنائية كما ذهب إليه الأخفش وهما قراءتان ويجوز إضمار الفاعل على أنه ضمير المصدر أو السير ونصب بين على الظرفية كما مرّ تحقيقه في قوله :تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ[ سورة