فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ
يتحدّث الناس بهم تعجبا وضرب مثل فيقولون تفرّقوا أيدي سبأ
وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ
ففرقناهم غاية التفريق حتى لحق غسان منهم بالشأم ، وأنمار بيثرب وجذام بتهامة والأزد بعمان
إِنَّ فِي ذلِكَ
فيما ذكر
لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ
عن المعاصي
الشَّكُورُ
على النعم
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ
أي صدق في ظنه ، أو صدق يظنّ ظنه مثل فعلته جهدك ، ويجوز أن يعدّى الفعل إليه بنفسه كما في صدق وعده لأنه نوع من
شرح
الأنعام ، الآية : 94 ] وقوله حيث بطروا النعمة والبطر طغيان من كثرة النعم وهذا على قراءة الأمر وإرادة معنى الطلب ، وقوله أو لم يعتدوا بها بالعطف بأو كما في أكثر النسخ على وجوه الخبرية والقراءات الأخيرة ، وكذا على العطف بالواو على ما في بعضها ، وقيل هذه النسخة أولى لأنّ كلا من البطر وعدم الاعتداد حاصل على كل من الوجوه أو ظلمهم أنفسهم لتقلبهم وعدم رضاهم بحاله فتأمّل . قوله : ( يتحدّث الناس بهم تعجبا ) إشارة إلى أنّ الأحاديث جمع أحدوثة وهي ما يتحدّث به على سبيل التلهي والاستغراب لا جمع حديث على خلاف القياس كما مرّ تفصيله وأن جعلهم نفس الأحاديث إمّا على المبالغة أو تقدير المضاف لأنهم متحدّث بهم ، وقوله تفرقوا أيدي سبأ أي مثل أيدي سبأ فحذف المضاف وإنما قدّر فيه مع اقتضاء المعنى لأنه معرفة بالإضافة وقد وقع حالا فجعل الحال في الحقيقة منل المقدّر لأنه لا يتعرّف بالإضافة والمعنى متفرّقين تفرّق أيدي سبأ وسبا مهموز في الأصل لكنه ورد في هذا المثل بألف لينة فلا يغير وروى أيادي سبأ والأيدي هنا بمعنى الأولاد لأنه يعتضد بهم ، وقيل إنه بمعنى البلاد أو الطلاق من قولهم خذيد البحر أي طريقه وجانبه أي تفرقوا في طرق شتى والظاهر أنه على هذا منصوب على الظرفية بدون تقدير فيه كما أشار إليه الفاضل اليمني وفي المفصل الأيدي إلا نفس كناية أو مجازا قال في الكشف وهو أحسن فتأمّل . قوله : ( ففرقناهم الخ ) قيل أشار بالفاء إلى أنّ الجملة جارية مجرى التفسير للتي قبلها والأولى ما في بعض النسخ فرقناهم بلا فاء تفسيرا لمزقناهم كما قيل والأحسن جعل الفاء مفسرة لما في النظم لتغاير الجملتين فيه كما لا يخفى ، وقوله غاية التفريق إشارة إلى أنّ ممزق مصدر ميمي كما مر وكل هنا للمبالغة كما في هو الرجل كل الرجل . قوله : ( والأزد بعمان ) بضم العين وتخفيف الميم قال الجوهري : عمان مخفف بلد وأما الذي بالشأم فهو عمان بالفتح والتشديد وهو غير مراد هنا لتقدّم ذكر الشأم ، وقوله عن المعاصي أخذه من مقابلة شكور فلا وجه لما قيل الأنسب صبار على النعم بأن لا يبطروا إلى دفعه بإدخال البطر في المعاصي . قوله : ( أي صدق في ظنه ) يعني أنه على قراءة التخفيف ورفع إبليس ونصب ظنه منصوب على الظرفية بنزع الخافض ، وأصله في ظنه أي وجد ظنه مصيبا في الواقع فصدق حينئذ بمعنى أصاب مجازا ولا حاجة إلى جعل الظنّ نوعا من القول ، وقوله أو صدق بظن ظنه فظنه منصوب على أنه مصدر لفعل مقدر كفعلته جهدك أي وأنت تجهد جهدك فالمصدر وعامله في موقع الحال وصدق مفسر بما مرّ . قوله : ( ويجوز الخ ) فينتصب ظنه على أنه مفعول به لأنّ الصدق أصله في الأقوال والقول متعد والمعنى حقق ظنه