أو يدرك أهلهما من حيث أنه يطلق على الباصرة لتعلقها به أو لمشاركتها له في توقف الإدراك عليه ثم على البصيرة لأنها أقوى إدراكا فإنها تدرك نفسها وغيرها من الكليات والجزئيات الموجودات والمعدومات وتغوص في بواطنها وتتصرف فيها بالتركيب والتحليل ثم إنّ هذه الإدراكات ليست لذاتها وإلا لما فارقتها فهي إذن من سبب يفيضها عليها وهو اللّه سبحانه وتعالى ابتداء أو يتوسط من الملائكة والأنبياء ولذلك سموا أنوارا ويقرب منه قول ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما معناه هادي من فيهما فهم بنوره يهتدون وإضافته إليهما
شرح
تنازعا قوله أهلهما أي السماوات والأرض . يعني أنه أطلق عليه تعالى مجازا لإطلاقه على قوّة البصر والبصيرة إطلاقا شائعا حقيقة أو بمنزلتها لتجوّز به عن معطي ذلك لأنه سببه أو مشابهه ولذا قال : وهو اللّه وفيما ذكره المحشي هنا خلل يعلم مما مرّ . قوله : ( لتعلقها به ) يشير إلى ما في البصر من الخلاف هل هو بشعاع نوراني فيتعلق البصر بالنور أو بالانطباع أو بمجرّد خلق اللّه فيكون مشابها أو متوقفا عليه على وجهي التجوّز كما مرّ وهما وجهان لإطلاق النور على الباصرة . وقوله : من حيث بيان لإطلاق النور عليه تعالى . وقيل : معنى قوله لتعلقها به أنّ أبصارها بسببه فهو مجاز مرسل . وقوله : عليه أي على كل منهما لا على النور فتأمّل . قوله :
( ثم على البصيرة لأنها أقوى ) فهي أحق بإطلاق النور عليها من الباصرة فإن قلت قوله ثم يقتضي أنها دونها وقوله أقوى يخالفه قلت هما باعتبارين فإنّ إطلاق النور على البصر أشهر وأظهر والبصيرة مستمدّة من الحواس الظاهرة غالبا فهي في المرتبة الثانية بهذا الاعتبار وباعتبار أنّ مدركاتها أكثر أقوى ورب فرع قلق أصله فهي تدرك المعدومات ونفسها بخلاف الباصرة .
وقوله : الموجودات والمعدومات بدل أو صفة للكليات والجزئيات لتعميم إدراكها وقوله :
تغوص في بواطنها أي تدرك ما خفي وتركب منها وهذا بيان للإدراكات العقلية التي لا تدركها الباصرة إجمالا . وقوله : تتصرف فيها أي في بواطنها أو في المدركات قيل وهو أولى . قوله :
( ثم إنّ هذه الإدراكات الخ ) إشارة إلى العلاقة بين المدرك المسمى نورا وبين الباري تقدّس وتعالى بل كونه أحق به والمراد من الإدراكات إدراك البصر والبصيرة السابقين جميعا . وقوله :
ولذلك سموا نورا هذا مجاز آخر لتسمية القرآن نورا وما ذكره ملخص من مشكاة الأنوار للإمام الغزاليّ وتفسير الإمام رحمهما اللّه .
قوله : ( ويقرب منه قول ابن عباس الخ ) يعني أنه تعالى سبب لكل من الهداية والإدراك وإدراك الشيء مطابقا للواقع سبب للهداية فيؤول إطلاق النور بمعنى سبب الإدراك عليه تعالى إلى كونه هاديا لكن لما كان بين مفيض الإدراك والهادي تغاير في الجملة قال : يقرب منه فقول الطيبي ومن تبعه إنّ قول ابن عباس رضي اللّه عنهما من واد وهذا من واد إذ قوله من وادي طور سيناء وهذا من وإدهام فيه ابن سيناء فإنّ معنى قوله : اللّه هادي العالمين مبين ما يهتدون به ويتخلصون من ظلمات الكفر والضلال بوحي منزل ونبيّ مرسل والتأويل الذي عليه التعويل ما ساعده النظم سياقا وسباقا وما قبله من قوله : ولقد أنزلنا الخ إشارة في ضمن ما بين من