عن يمين مسكنه ، وعن شماله
كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ
حكاية لما قال لهم نبيهم أو لسان الحال أو دلالة بأنهم كانوا أحقاء بأن يقال لهم ذلك
بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ
استئناف للدلالة على موجب الشكر أي هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة ، وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم ربّ غفور فرطات من يشكره وقرئ الكل بالنصب على المدح قيل :
كانت أخصب البلاد وأطيبها لم يكن فيها عاهة ولا هامة
فَأَعْرَضُوا
عن الشكر
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ
سيل الأمر العرم أي الصعب من عرم الرجل فهو عارم ، وعرم إذا شرس خلقه وصعب أو المطر الشديد أو الجرذ أضاف إليه السيل لأنه نقب عليهم سكرا ضربته لهم بلقيس فحقنت به ماء الشحر ، وتركت فيه لقبا على مقدار ما يحتاجون إليه أو المسناة التي عقدت سكرا على أنه جمع عرمة ، وهي الحجارة المركومة ، وقيل اسم وادجاء السيل من قبله وكان ذلك بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسّلام
وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ
شرح
عن يمينه والأخرى عن شماله فلا يحتاج إلى توجيه العدول إلى التثنية ، وأما ما قيل من أنها لو جمعت لزم أنّ لكل مسكن رجل جنة واحدة لمقابلة الجمع بالجمع فقد ردّ بأنّ قوله عن يمين وشمال يدفعه لأنه بالنظر إلى كل مسكن إلا أنها لو جمعت أو هم أنّ لكل مسكن جنات عن يمين وجنات عن شمال ، وهذا لا محذور فيه إلا أن يدعى أنه مخالف للواقع . قوله : ( حكاية لما قال الخ ) فهي جملة مستأنفة بتقدير قول حقيقي أو فرضي وقوله أو دلالة معطوف على قوله حكاية وليس بينه وبين ما قبله كثير فرق ، وقوله استئناف للدلالة أي للتصريح به أو لتأكيده إذ ما قبله دال عليه أيضا ، والفرطات ما يصدر من غير قصد تامّ من الصغائر والعاهة الأمراض لأنها لم تكن وبائية لطيب هوائها والهامّة بتشديد الميم ما يهمّ على الأرض أي يدبّ كالعقارب والبراغيث ، وقوله عن الشكر هذا هو المناسب لما قبله ويدخل فيه الإعراض عن الإيمان لأنه أعظم الكفر والكفران . قوله : ( سيل الأمر العرم الخ ) قدّر فيه موصوفا ليتخلص من إضافة الموصوف للصفة التي أباها أكثر النحاة ، وعرم مثلث الراء بمعنى اشتدّ ، وشرس من شراسة الخلق بمعنى صعوبته ، وقوله أو المطر بالجرّ عطف على الأمر فالعرم بمعنى الشديد والإضافة على ظاهرها ، والجرذ بضم الجيم وفتح الراء المهملة والذال المعجمة نوع من الفيران قيل إنه أعمى ويسمى الخلد أيضا ، وقوله أضاف إليه الخ إشارة إلى أنّ الإضافة لأدنى ملابسة ، والسكر بفتح السين وكسرها وسكون الكاف ، ثم راء مهملة الجسر والسدّ على الماء وضربته بمعنى صنعته وبنته وحقنت بمعنى حبست وجمعت ، والشحر بكسر الشين المعجمة وقد تفتح وسكون الحاء المهملة وبعدها راء مهملة واد بين عمان وعدن من أرض اليمن وفيه مساكن سبا ويطلق على الوادي ومجرى الماء مطلقا . قوله : ( أو المسناة التي عقدت سكرا ) هذا تفسير آخر للعرم وهي مفعلة من سنيته بمعنى سقيته ومنه البيانية للساقية ، وهي الدلو المستقى به ويطلق على البعير الذي يخرجه وفسرها الطيبي رحمه اللّه بما يردّ ماء السيل عن البساتين وقوله جمع عرمة كشجر وشجرة ، وقيل لا واحد له والمركومة بمعنى الموضوع بعضها فوق بعض لتكون سدّا .