تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
الأصل ولقد آتينا داود منا فضلا تأويب الجبال والطير فبدّل به على هذا النظم لما فيه من الفخامة والدلالة على عظم شأنه ، وكبرياء سلطانه حيث جعل الجبال والطيور كالعقلاء المنقادين لأمره في نفاذ مشيئته فيها
وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ
جعلناه في يده كالشمع يصرفه كيف يشاء من غير إحماء ، وطرق بالانته أو بقوّته
أَنِ اعْمَلْ
أمرناه أن أعمل فإن مفسرة أو مصدرية
سابِغاتٍ
دروعا واسعات ، وقرئ صابغات وهو أوّل من اتخذها
وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ
وقدّر في نسجها بحيث يتناسب حلقها ، أو قدّر مساميرها فلا تجعلها دقاقا فتقلق ، ولا غلاظا فتخرق وردّ بأنّ دروعه لم تكن مسمّرة ، ويؤيده قوله :
وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ
وَاعْمَلُوا صالِحاً
الضمير لداود وأهله
إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
فأجازيكم عليه
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ
أي وسخرنا له الريح ، وقرئ الريح بالرفع أي لسليمان الريح مسخرة ، وقرئ الرياح
شرح
لأنهما معمولان متغايران إذ الظرف والحال غير المفعول معه ، وكل منها باب على حدة وإنما الموهم لذلك لفظ المعية ، فما اعترض به أبو حيان من أنه لا يفضي الفعل إلى اثنين من مفعول معه إلا على البدل أو العطف كما لا يجوز جاء زيد مع عمرو مع زينب غير متوجه ، وإن ظنوه كذلك وأقبح من الذنب الاعتذار حيث أجيب بأنه حذفت واو العطف من قوله والطير للاستثقال ، أو اعتبر تعلق الثاني بعد تعلق الأوّل ، وقوله وعلى هذا الخ لاتحادهما معنى كما في الوجهين الأوّلين حيث عطفا على الجبال . قوله : ( وكان الأصل الخ ) يعني أنه كان مقتضى الظاهر أن يكون النظم هكذا فعدل عنه لما ذكره فعلى هذا هو استعارة تمثيلية أو فيه مكنية وتخييلية في يا جبال وأوّبي ، والإحماء إيقاد النار عليه والطرق الضرب بالمطرقة ، وقوله بالأنته أي جعله لينا متعلق بجعلنا والباء للسببية . قوله : ( أمرناه الخ ) قدّره لأنّ أن المفسرة لا بدّ أن يتقدّمها ما يتضمن معنى القول دون حروفه لكن حذف المفسر لم يعهد ، وقوله أو مصدرية يحتمل أنه على تقدير أمرنا أيضا والتقدير أمرناه بعمل سابغات ، أو هو إذا لم يقدّر فيقدّر اللام ويتعلق بالنا أي الناه لعمل السابغات وهذا أولى ، وقوله دروعا واسعات ففيه موصوف مقدّر والسابغ الطويل التام وقوله وقرئ صابغات أي بإبدال السين صاد الأجل الغين ، وقوله بحيث يتناسب حلقها جمع حلقة فتقديرها جعلها على مقادير متناسبة . قوله : ( أو قدر مساميرها الخ ) أي أجعلها على مقدار معين غلظا وغيره مناسبة للثقب الذي هيئ لها من ملتقى طرفي الحلقة فإنها إن كانت دقيقة اضطربت فيها فلم تمسك طرفيها ، وإن كانت غليظة خرقت طرف الحلقة الموضوعة فيه فلا تمسكه أيضا . قوله : ( وردّ ) أي تفسيره الثاني بقدر مساميرها الخ قال البقاعي أخبرنا بعض من رأى ما نسب إلى داود عليه الصلاة والسّلام أنه بغير مسامير فقيل عدم الحاجة إلى التسمير على تقدير لين الحديد بالإنته أما لو لين بقوّته فلا بدّ من التسمير ، وقيل ليس ردّ المصنف رحمه اللّه مبنيا على عدم الحاجة بل على الرواية على ما نبهت عليه ولو سلم فإذا لان الحديد كالشمع بقوّته لم يبق حاجة للتسمير ، وهذا كله لا محصل له فإنّ الإنة الحديد التي أعطاها اللّه له صلّى اللّه عليه وسلّم إما بجعله كالشمع من غير نار معجزة له أو بإيداع قوّة في يديه بحيث إنه إذا
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 528 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي