المسبب عن سبق الحكم بأنهم من أهل النار ، ولا يدفعه جعل ذوق العذاب مسببا عن نسيانهم العاقبة ، وعدم تفكرهم فيها بقوله :
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
فإنه من الوسايط والأسباب المفضية له
إِنَّا نَسِيناكُمْ
تركناكم من الرحمة ، أو في العذاب ترك المنسيّ ، وفي استئنافه وبناء الفعل على أنّ واسمها تشديد في الانتقام منهم
وَذُوقُوا عَذابَ
شرح
لأنها دالة على أنّ عدم إيمانهم لعدم مشيئة اللّه ، وهذا معنى قوله :وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداهالأنّ الهدى الإيمان أو الموصل إليه ، وقوله المسبب الخ أي وعدم المشيئة مسبب عن سبق حكم اللّه به ، وهو معنى قوله ولكن حق القول مني الخ فإنه استدراك لدفع ما قبله والمراد أنه سبب استمراره أو سببه بنفسه فإنه لا مانع من تسبب أزليّ لأزليّ آخر فإنه لا يقتضي التقدّم الزمانيّ بل الرتبيّ ، وما أورد عليه من أنّ العدم الأصليّ لا يحتاج إلى سبب فينبغي تفسيره بالكف أو الامتناع عن المشيئة غير مسلم في العدم الذي ليس بصرف ، وكذا ما قيل من أنّ التصريح ممنوع إذ يجوز كون سبق الحكم سببا لعدم الهداية بل هو الظاهر إذ المناسب كون السبق لعدم المشيئة لا العكس ، فإنه مخالف للنظم كما عرفت فتأمّل . قوله : ( ولا يدفعه الخ ) أي كما في الكشاف نصرة لمذهبه أي لا يعارض سبق القضاء لأنّ عدم الإيمان على هذا بسبب ميلهم الاختياريّ لا لعدم مشيئته تعالى ، ولا للسبق المذكور والمراد بنسيانهم ترك العمل المشابه للنسيان أو ترك التدبر وعليه كلامه الآتي وذوقوا أمر تهديد توبيخيّ ، والفاء تفصيلية أو في جواب شرط مقدر أي إذا حق القول ، وهذا إمّا مفعول ذوقوا والمعنى ذوقوا ما أنتم فيه من نكس الرؤس والخزي ، والغم أو صفة يوم وحذف مفعوله للتهويل بالإبهام ويدلّ عليه قول المصنف رحمه اللّه فيما سيأتي من التصريح بمفعوله الخ ، وقوله بقوله متعلق بجعل . قوله :
( فإنه من الوسايط المفضية له ) أي لذوق العذاب يعني ليس هو السبب الحقيقيّ حتى ينافي كونه بمشيئة اللّه وسبق قضائه ، والجبر مندفع بمقارنة القدرة لفعل العبد عند الأشاعرة على ما بين في الكلام وأما التوبيخ بالواسطة مع سبق المسبب الحقيقيّ فلا بعد فيه كما توهم إذا تضمن نكتة كقربه من الوقوع ، وظهوره وكونه هو الصادر منهم وقوله المفضية بالفاء والضاد المعجمة بمعنى الموصلة وفي نسخة المقضية والمقتضية بالقاف وهي متقاربة . قوله : ( تركناكم من الرحمة أو في العذاب ) وهما وإن تغايرا متقاربان وهو إشارة إلى أنّ النسيان بمعنى الترك لأنه محال عليه تعالى ، وهو استعارة أو مجاز مرسل كما أنّ لنسيان السابق أيضا مجاز مرسل ، وقد جعله الزمخشريّ مقابله أي مشاكله كما صرّح به بعض الشراح ، وكون المشاكل الأوّل مجازا لا يمنع منها والقرينة على قصد المشاكلة فيه أنه قصد جزاؤهم من جنس عملهم فهو على حدّ قوله :وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهاالشورى ، الآية : 40 ] لكنه نادر في بابه فلا يرد الردّ عليه بأنه مجاز فافهم وقوله ترك المنسيّ أي كترك المنسيّ إشارة إلى أنه استعارة . قوله : ( وفي استئنافه ) أي إيقاعه هذه الجملة مستأنفة لأنّ جعله جملة مستأنفة يقتضي الاهتمام به ففيه تأكيد أيضا . قوله :
( وبناء الفعل على أنّ واسمها ) أي إيقاع الفعل ، وهو نسيناكم خبرا عن الاسم وجعله عجز