لما تأمرهم به
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ
أي ابتدأكم ضعفاء ، وجعل الضعف أساس أمركم كقوله :
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ
[ سورة الأنبياء ، الآية : 37 ] أو خلقكم من أصل ضعيف وهو النطفة
ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً
وذلك إذا بلغتم الحلم أو تعلق بأبدانكم الروح
ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً
إذا أخذه منكم السنّ ، وفتح عاصم وحمزة الضاد في جميعها والضمّ أقوى لقول ابن عمر رضي اللّه عنهما قرأتها على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من ضعف فأقرأني من ضعف وهما لغتان كالفقر والفقر والتنكير مع التكرير لأنّ المتأخر
شرح
لدلالة النص وقوله لما تأمرهم به إشارة إلى أن الإسلام بمعناه اللغوي ، وهو الإذعان لأنه لو كان بمعناه المعروف لزم تحصيل الحاصل ، ولم يقع التفريع موقعه وقد فسره في النمل بمخلصون وهو قرب منه . قوله : ( أي ابتدأكم ضعفاء لخ ) أي أنهم ضعفاء في أوّل الأمر وهو حال الطفولية ، ومن على الوجهين ابتدائية كما أشار إليه بقوله ابتدأكم ، وقوله وجعل الضعف الخ إشارة إلى أن فيها استعارة مكنية بتشبيه الضعف بالأساس والمادّة وفي إدخال من عليه تخييل ، وقوله أو خلقكم الخ على إطلاق الضعف على الضعيف مبالغة أو بتقدير ذي ضعف أو بتأويله بالصفة وأخره لأنه غير مناسب لما بعده ، وقوله :خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍمثال لجعل ما طبع عليه بمنزلة ما طبع منه ، وفي نسخة خلق الإنسان ضعيفا وهي مثال لابتدائهم ضعفاء ، وقوله وذلك الخ لف ونشر على التفسيرين السابقين للضعف ، ويجوز فيه التعميم لكن الأوّل أولى . قوله تعالى : (ضَعْفاً وَشَيْبَةً) المراد بالضعف هنا ابتداؤه ولذا أخر الشيب عنه أو الأعمّ فقوله وشيبة للبيان أو للجمع بين تغير قواه وظاهره ، وقوله إذا أخذ منكم السنّ هو مجاز يقال أخذ منه السنّ إذا كبر وهرم كأنّ آخر سنة أخذ قوّته أو عمره وهو على الوجهين . قوله :
( والضمّ أقوى الخ ) قال في المعالم الضمّ لغة قريش والفتح لغة تميم ، ولذا اختار النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قراءة الضمّ لأنها لغته لا ردا للقراءة الأخرى فإنهما متواترتان في السبعة ، والحديث المذكور حديث حسن رواه أبو داود « 1 » والترمذيّ في السنن ورواه في النشر وقال : إنّ القرّاء لهذا اختاروا قراءة الضمّ ، وهي مروية عن عاصم وفي رواية عنه ضمّ الأوّلين وفتح الثالثة والفقر بالضمّ ، والفتح ضدّ الغني . قوله : ( والتنكير مع التكرير الخ ) مراده بالمتأخر الأخير لمغايرته للأوّل إذ هو ضعف الشيخوخة وذاك ضعف الطفولية ، وأمّا الثاني فهو عين الأوّل ونكر لمشاكلته لهما وكذا قوّة فلا وجه لما قيل إنه ظاهر في ضعف الأوّل ، وأمّا الثاني مع الأوّل وقوّة الثانية فباعتبار أنّ المتقدّم أريد به الابتداء والمتأخر يشمل مراتب الابتداء والانتهاء ، والتوسط وكلمة ثم لتراخي الابتداء وإليه أشار المصنف بقوله أخذ منكم السنّ الخ ، وكذا ما قيل إنّ هذا ليس لأنّ النكرة إذا أعيدت كانت غيرا لأنه أغلبيّ ، ولعله قصد في كل منهما مغايرته للمقدّم بحسب المراتب ، ولذا أورده بثم في الجميع إشارة إلى أنّ لكل منها مراتب مع
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود 3978 من حديث ابن عمر .