إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ
قيد الحكم به لتكون أشدّ استحالة فإن الأصم المقبل ، وإن لم يسمع الكلام يفطن منه بواسطة الحركات شيئا وقرأ ابن كثير بالياء مفتوحة ورفع الصم
وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ
سماهم عميا لفقدهم المقصود الحقيقي من الأبصار أو لعمي قلوبهم وقرأ حمزة وحدة تهدي العمي
إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا
فإن إيمانهم يدعوهم إلى تلقي اللفظ ، وتدبر المعنى ويجوز أن يراد بالمؤمن المشارف للإيمان
فَهُمْ مُسْلِمُونَ
شرح
من خصوصاته صلّى اللّه عليه وسلّم معجزة له أو أنه تمثيل كما روي عن عليّ كرّم اللّه وجهه ، وأورد عليه ما في مسلم من « أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا » « 1 » إلا أن يخص بأوّل الوضع في القبر مقدّمة للسؤال جمعا بينه وبين ما في القرآن ، وقوله وهم مثلهم قدّره ليرتبط بما قبله وقيل إنه إشارة إلى أنه استعارة مكنية وللتنصيص عليه أظهر في مقام الإضمار ، وحذف المفعول أي لا تسمعهم شيئا ما . قوله : ( قيد الحكم الخ ) ليس المراد بالاستحالة الاستحالة العقلية بل العادية وضمن يفطن معنى يفهم فلذا نصب المفعول إذ هو غير متعدّ بنفسه بل باللام وقوله سماهم عميا الخ إشارة إلى أن فيه استعارة تصريحية والمقصود من الإبصار التفكر ، والتدبر في مصنوعات اللّه والمراد بالهداية الدلالة الموصلة وعداه بعن لتضمينه معنى الإبعاد . قوله : ( فإن إيمانهم الخ ) المعنى الأوّل على أن يراد بيؤمن الحال وقدّمه لأنه المناسب لقوله فهم مسلمون ، والوجه الثاني على أن يراد به المستقبل ولا حاجة إلى جعله من مجاز المشارفة إلا على القول بأنه حقيقة في الحال ، وما قيل من أنه ينتقض الحصر على الأوّل بالثاني وعكسه فينبغي حمله عليهما معا على أنه من عموم المشترك أو عموم المجاز أو يفسر بمن هو في علم اللّه كذلك فإنه يعمهما كما مرّ في سورة النمل مدفوع بأن الحصر بالإضافة إلى من سبق من العمي الصم المطبوع على حواسهم فلا نقض بالتخصيص بالذكر على أنه يعلم حكم أحدهما من الآخر
هامش
- 4 / 29 وابن حبان 4778 والطبراني 4701 كلهم من حديث أبي طلحة بأتم منه . قال شعيب في الإحسان : وقد أنكرت السيدة عائشة رضي اللّه عنها سماع الموتى كما في « الصحيحين » عن عروة ، عن عائشة أنها قالت : ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنهم ليسمعون الآن ما أقول » إنما قال : « ليعلمون الآن ما كنت أقول لهم : إنه حق » ثم قرأت قوله تعالى :فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتىوَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ .قال الحافظ ابن رجب في « أهوال القبور » ص 76 : وقد وافق عائشة على نفي سماع الموتى كلام الأحياء طائفة من العلماء ، ورجحه القاضي أبو يعلى من أكابر أصحابنا في كتابه « الجامع الكبير » ، واحتجوا بما احتجت به ، وأجابوا عن حديث قليب بدر بما أجابت به عائشة رضي اللّه عنها ، وبأنه يجوز أن يكون ذلك معجزة مختصة بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم دون غيره وهو سماع الموتى لكلامه ، وقال ابن عطية فيما نقله عنه القرطبي 13 / 232 : فيشبه أن قصة بدر خرق عادة لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم في أن رد اللّه إليهم إدراكا سمعوا به مقاله ، ولولا إخبار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة ، وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين . وانظر « روح المعاني » 21 / 55 - 58 .
( 1 ) هو بعض حديث أخرجه البخاري 1338 - 1374 ومسلم 2870 - 71 - 72 وأبو داود مختصرا 3231 والنسائي 4 / 97 - 98 وأحمد 3 / 126 وابن حبان 3120 كلهم من حديث أنس بن مالك بأتم منه .