فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ
فمن يقدر على هدايته
وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ
يخلصونهم من الضلالة ، ويحفظونهم عن آفاتها
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً
فقوّمه له غير ملتفت أو ملتفت عنه ، وهو تمثيل للإقبال والاستقامة عليه والاهتمام به
فِطْرَتَ اللَّهِ
خلقته نصب على الإغراء ، أو المصدر لما دلّ عليه ما بعده
الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
شرح
مستعمل في القدرة مجازا لأنّ مجرّد الدلالة واقع من غيره كالرسل عليهم الصلاة والسّلام .
قوله : ( فقوّمه له ) أي أجعله مستقيما متوجها له ، ولذا قال حنيفا أي مستقيما من حنف إذا استقام فهي حال مؤكدة حينئذ ، وقوله غير ملتفت بوزن اسم الفاعل تفسير له على أنه حال من فاعل أقم أو مفعوله ، وقوله أو ملتفت عنه بزنة اسم الفاعل تفسير له على أنه حال من فاعل أقم أو مفعوله ، وقوله أو ملتفت عنه بزنة المفعول على أنه من الدين وهو فعيل بمعنى مفعول من حنف كضرب إذا مال ولم يجعله بمعنى مستقيما لنبوّ قوله :ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ[ سورة التوبة ، الآية : 36 ] عنه وعنه تنازع فيه الإسمان كذا قيل وأورد عليه أنّ ما بمعنى الاستقامة أحنف لا حنيف كما في القاموس فهو من الميل عليهما كما فسره سابقا بقوله مائلا عن الباطل الخ ، ووجه عدم تفسيره بمستقيما على الثاني حينئذ ظاهر ، وما ذكره من النبوّ سهل والمفهوم من القاموس أنّ حنيفا لا يكون بمعنى المفعول أصلا وليس هذا كله بشيء لأنّ أصل الحنف الميل عن الضلال إلى الاستقامة ، وضدّه الجنف بالجيم ففيه دلالة على الميل والاستقامة معا وكلام القاموس في مثله ليس بحجة فهو على الحالين بمعنى ، وما ذكره لمصنف توضيح للوجهين لأنّ معنى استقامة الدين استقامة متبعه فتأمّل . قوله : ( وهو ) أي قوله أقم الخ تمثيل الخ الظاهر أنه أراد أنه استعارة تمثيلية بتشبيه المأمور بالتمسك بالدين ورعاية حقوقه وعدم مجاوزة حدوده والاهتمام بأموره بمن أمر بالنظر إلى أمر وعقد طرفه به وتسديد نظره وتوجيه وجهه له لمراعاته والاهتمام بحفظه ، وما قيل من أنه كناية عن كمال الاهتمام لأنّ المهتمّ بأمر يسدّده بنظره ويقوّم وجهه له أراد بالكناية المجاز المتفرّع على الكناية فلا يشترط فيه إرادة إمكان المعنى الحقيقيّ ، كما ورد في شرح المفتاح في قوله ولا ينظر إليهم ، فلا يرد عليه أنه لا يصح الكناية لعدم إمكان المعنى الحقيقيّ فيه ، وقوله عليه أي على لدين تنازع فيه الإقبال والاستقامة . قوله : ( نصب على الإغراء ) أي بتقدير ألزموا لا عليكم اسم فعل لما فيه من حذف العوض ، والمعوّض فإن جوّزناه جاز تقديره كما يجوز تقدير أعني ، وما دلّ عليه ما بعده فطركم فطرة اللّه فيكون مفعولا مطلقا ولا يصح عمل المذكور لأنه من صفته أو هو منصوب بما دل عليه الجملة السابقة على أنه مصدر مؤكد لنفسه ، أو بدل من حنيفا والأوّل أولى وفاعل أدّى ضمير ما خلقوا عليه وهو الجبلة الأصلية فإنّ « كل مولود يولد على الفطرة » « 1 » كما ورد في الحديث الصحيح وأمّا ما ورد
هامش
( 1 ) هو شطر حديث أخرجه البخاري 1358 - 1359 - 1385 - 4775 ومسلم 2658 - 25 وأحمد 2 / 282 - 346 - 410 وابن حبان 128 - 129 - 130 والطحاوي 2 / 162 كلهم من حديث أبي هريرة بلفظ : « كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه » .