أي لو كنت ممن يخط ويقرأ لقالوا : لعله تعلمه أو التقطه من كتب الأقدمين ، وإنما سماهم مبطلين لكفرهم أو لارتيابهم بانتفاء وجه واحد من وجوه الإعجاز المتكاثرة ، وقيل :
لارتاب أهل الكتاب لوجدانهم نعتك على خلاف ما في كتبهم فيكون إبطالهم باعتبار الواقع
شرح
كما ورد في صلح الحديبية أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كتب ولم يكن يحسن الكتابة « 1 » وممن ذهب إليه أبو ذرّ الهروي وأبو الفتح النيسابوري وأبو الوليد الباجي من المغاربة وصنف فيه كتابا وسبقه إليه ابن منية ، ولما قال أبو الوليد ذلك طعن فيه ورمى بالزندقة وسبّ على المنابر ، ثم عقد له مجلس فأقام الحجة على مدّعاه وكتب به إلى علماء الأطراف فأجابوا بما يوافقه ومعرفة الكتابة بعد أمّية لا تنافي المعجزة بل هي معجزة أخرى لكونها من غير تعليم وردّ الإمام محمد بن مفوز كتاب الباجي لما في الحديث الصحيح : « إنا أمّة أمّية لا نكتب ولا نحسب » « 2 » وقال كل ما ورد في الحديث من قوله كتب فمعناه أمر بالكتابة ، وتقديم قوله من قبله على قوله ولا تحطه كالصريح فيه ، وكون القيد المتوسط راجعا لما بعده غير مطرد مع أنه مفهوم ليس بحجة عندنا فمن استدل به لم يصب ، وقوله على أمي أي من أمي والأمي من لا يكتب ولا يقرأ ولما كان بعض الأميين قد يتعلم القرآن ونحوه بأخذه من أفواه الرجال وهو لم يقع أيضا ذكر قوله والتعلم ليكون خارقا للعادة ولأنّ الخط إنما يعرف بالتعلم ، وقد قيل إنه مأخوذ من تنكير الكتاب في سياق النفي ، وقوله لم يعرف إشارة إلى ما مرّ وقوله زيادة تصوير لأنّ الخط باليمين فهو مثل نظرت بعيني في تحقيق الحقيقة ، وتأكيدها حتى لا يبقى للمجاز مجاز . قوله : ( أي لو كنت ممن يخط ويقرأ ) هو من قوله إذا فالمراد بالمبطلين كفار قريش ، وقوله سماهم مبطلين الخ أي على هذا التفسير وعلى تقدير كفرهم بنبوّته لو لم يكن أميا لإبطالهم حينئذ إذ كفروا أو ارتابوا وشكوا بمجرّد كونه غير أميّ مع أنّ انتفاء وجه واحد من وجوه الإعجاز لا ينفي غيره مع كثرته وظهوره ، فمدعي مثله مبطل سواء أكان أميا أم لا لأنهم لم يؤمنوا به ولم ينظروا لما جاء به من المعجزات المثبتة لرسالته صلّى اللّه عليه وسلّم فالتعريف في المبطلين للعهد كما في شرح الكشاف وأمّا احتمال تعلمه فغير متوجه لأنّ مثله من الكتاب المفصل الطويل لا يتلقن ويتعلم إلا في زمان طويل بمدارسة لا يخفى مثلها .
قوله : ( وقيل لارتاب الخ ) فالمراد بالمبطلين أهل الكتاب وهم على تقدير كونه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم غير أميّ يشكون في كونه النبيّ المنعوت في كتبهم لأنه أميّ ، ولما ورد على هذا التفسير أنهم لا يكونون حينئذ مبطلين بل محقين في مدعاهم لمخالفة نعته لما نعت به في الكتب المنزلة أشار إلى دفعه بقوله فيكون إبطالهم يعني على هذا الوجه دون الأوّل كما توهم ، وقوله باعتبار
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) أخرجه البخاري 1913 ومسلم 1080 - 15 وأبو داود 2319 والنسائي 2140 - 2139 كلهم من حديث ابن عمر .