لعهد منهم
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ
بالإفراط في الاعتداء والعناد أو بإثبات الولد وقولهم :
يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
[ سورة المائدة ، الآية : 64 ] أو بنبذ العهد ومنع الجزية
وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ
هو من المجادلة بالتي هي أحسن ، وعن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا باللّه وبكتبه ورسله فإن قالوا : باطلا لم تصدّقوهم وإن قالوا : حقا لم تكذبوهم »
وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
مطيعون له خاصة ، وفيه تعريض باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه
وَكَذلِكَ
ومثل ذلك الإنزال
أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ
وحيا مصدّقا لسائر الكتب الإلهية وهو تحقيق لقوله :
فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ
هم عبد اللّه بن سلام وأضرابه أو من تقدّم عهد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من أهل الكتاب
شرح
العهد والحرب شرع بالمدينة ، وكونه قبل الوقوع بعيد ولأنه لا قرينة على هذا التخصيص .
قوله : ( بالإفراط في الاعتداء ) الإفراط مأخوذ من ذمّ الكافر بالظلم فإنه يقتضي أنه نوع من الظلم أشدّ من الكفر كما مرّ ولا يلزم منه مشروعية القتال بمكة ، أو ترك المجادلة غير منحصر فيه على أنه قيل إنه شرع بمكة إذا كانوا بادئين وهذه السورة آخر ما نزل بها ، وقوله أو بنبذ العهد الخ يعني إذا أريد بأهل الكتاب ذوو العهد ويرد عليه ما مرّ أنه لم يكن بمكة عهد ولا نبذ وكونه بيانا للحكم الآتي بعيد فلعل المصنف رحمه اللّه يجوز كون هذه الآية نزلت بعد الهجرة . قوله :
( وعن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الخ ) « 1 » هو بيان لكون القول المذكور مجادلة لأنه كناية عن أنا لا نصدّق نقلكم ما لم نعلم به ، والتكذيب والتصديق ليسا نقيضين فيجوز ارتفاعهما كما في حال السكوت والحديث المذكور صحيح وأصله مرويّ في البخاريّ « 2 » وقوله مطيعون له خاصة التخصيص من تقدّم له وهو المفيد للتعريض أيضا والآية المذكورة تقدّم تفسيرها . قوله : ( ومثل ذلك الإنزال ) المذكور بعده ، وقد مرّ تحقيقه وأنه يفيد أنه أمر عجيب الشأن أو هو إشارة إلى ما سبق من إنزال الكتب على ما ارتضاه المصنف هناك فتذكره ، وقوله وحيا مصدّقا مؤيد للأوّل لأنه كالبيان له وكون المراد ما ذكر بقرينة ما بعده مع التصريح به في محل آخر . قوله : ( وهو تحقيق الخ ) أي تقرير له كالدليل عليه فإنّ تصديقه للكتب الإلهية التي قبله يقتضي إيمان أهل الكتاب لأنه يدل على أنه مثلها في كونه وحيا إلهيا لا من حيث إنه إجمال ذلك التفصيل لأن التفصيل يحقق الإجمال بدون العكس ، ولا من حيث أنه توطئة لما بعده ، وأمّا كون المراد بقوله لقوله ما سبق فتعمية والغاز ، وقوله عبد اللّه بن سلام بتخفيف اللام ، وأضرابه بمعنى أمثاله ممن أسلم من الأحبار ، وصار من كبار الصحابة رضي اللّه عنهم ، وقوله من أهل الكتابين في نسخة من الكتابيين ، وهذا يؤيد ما مرّ من أنّ المصنف يرى أنّ هذه الآية مدنية إذ كونها مكية وعبد اللّه ممن أسلم بعد الهجرة بناء على أنه إعلام من اللّه بإسلامهم في المستقبل ، والتفصيل باعتبار
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 4485 - 7262 - 7542 من حديث أبي هريرة بلفظ : « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنا باللّه وما أنزل إلينا » .
( 2 ) هو المتقدم .