فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ
أي مستحية متخفرة قيل : كانت الصغرى منهما ، وقيل الكبرى واسمها صفوراء أو صفراء ، وهي التي تزوّجها موسى عليه السّلام
قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ
ليكافئك
أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا
جزاء سقيك لنا ولعل موسى عليه الصلاة والسّلام إنما أجابها ليتبرّك برؤية الشيخ ، ويستظهر بمعرفته لا طمعا في الأجر بل روي أنه لما جاءه قدّم إليه طعاما فامتنع عنه ، وقال إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بالدنيا حتى قال له شعيب عليه الصلاة والسّلام : هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا هذا وإن كل من فعل معروفا وأهدى بشيء لم يحرم أخذه
فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
يريد فرعون وقومه
قالَتْ إِحْداهُما
يعني التي استدعته
يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ
لرعي الغنم
إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ
تعليل شائع يجري مجرى الدليل على أنه حقيق بالاستئجار وللمبالغة فيه جعل خير اسما وذكر الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أنه
شرح
لمحتاج لا أنه هو المضمن لأنه لو كان كذلك كانت اللام للتقوية لأنه متعد بنفسه فلا يوافق ما بعده ، ومن فسر السائل بالطالب لظنه أنه يتعدّى باللام فقد وهم ، ويجوز أن تكون اللام للبيان .
قوله : ( وقيل معناه الخ ) والمراد بالخير الخير الديني لا الدنيوي كما في الأوّل واللام للتعليل ، وصلة فقير مقدّرة أي إلى الطعام أو لأمور الدنيا وقوله والغرض أي على هذا الوجه ، والتبجح تفعل بالجيم والحاء المهملة الفرح والافتخار أي لا التشكي والتضجر ، ولذا عبر عن الأوّل بالخير وقدّمه . قوله : ( مستحية متخفرة ) بتخفيف الياء استفعال من الحياء وحذفت إحدى ياءيه في الفعل للتخفيف وتبعه بقية مادّته ، وهو إشارة إلى أنه حال من فاعل تمشى أو جاءته فهو حال أيضا ، وهي إمّا مترادفة أو متداخلة ، وقوله متخفرة بوزن اسم الفاعل من التفعل من الخفر بفتح الخاء المعجمة والفاء ، وهو شدّة الحياء وقوله واسمها الخ وفي الكشاف كبراهما كانت تسمى صفراء والصغرى صفيراء والكبرى هي التي ذهبت به وتزوّجها . قوله : ( جزاء سقيك ) إشارة إلى أنّ ما مصدرية لا موصولة لأنّ ما يستحق عليه الأجر فعله لا ما سقاه إذ هو الماء المباح ، وقوله ولعل موسى عليه الصلاة والسلام إنما أجابها بالذهاب إلى أبيها إذ دعته يعني أنّ مثله لا يليق به أخذ الأجر على ما تبرّع به من المعروف فأجابته ليست لأخذه بل لما ذكر ، ويستظهر بمعنى يستعين ويتقوّى ، وقوله هذه عادتنا يعني ليس ما بذلناه أجرا بل قرى على عادتنا تنافيه . قوله : ( من فعل معروفا وأهدى بشيء ) ضمنه معنى المقابلة أي قوبل بشيء على وجه الهدية ، والجواب الأوّل مبنيّ على منع قبوله للبر في مقابلة المعروف وهذا مبنيّ على تسليم قبوله بعد العمل إذا كان على طريق الهدية وفي الكشاف إنّ طلب الأجر للضرورة غير منكر ، وأمّا الاستشهاد عليه بقوله :لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً[ سورة الكهف ، الآية : 77 ] فليس بمناسب لأنه من قبيل الاستئجار ، وما نحن فيه ليس كذلك . قوله : ( تعليل ) لأنّ الجملة المصدرة بأن في جواب سؤال عن سبب قولها استأجره ، وقوله شائع يعني أنه عام جار مجرى المثل وتعريف القويّ الأمين للجنس أي من كان كذلك لائق بالاستئجار وقوله وللمبالغة فيه أي في التعليل أو الدليل ، ووجه الاستدلال اندراجه تحته . قوله : ( جعل خير اسما ) لأنّ مع إنّ