لمجموع الفريقين
قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ
بالعقوبة فتقولون ائتنا بما تعدنا
قَبْلَ الْحَسَنَةِ
قبل التوبة فتؤخرونها إلى نزول العقاب فإنهم كانوا يقولون إن صدق إبعاده تبنا حينئذ
لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ
قبل نزوله
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
بقبولها فإنها لا تقبل حينئذ
قالُوا اطَّيَّرْنا
تشاءمنا
بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ
إذ تتابعت علينا الشدائد ، ووقع بيننا الاختلاف مذ اخترعتم دينكم
قالَ طائِرُكُمْ
سببكم الذي جاء منه شرّكم .
عِنْدَ اللَّهِ
وهو قدره أو عملكم المكتوب عنده
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ
تختبرون بتعاقب السراء والضراء ، والإضراب عن بيان طائرهم الذي هو مبدأ ما يحيق بهم إلى ذكر
شرح
توهم والكفر والإيمان معنى افتراقهم ، والاختصام معلوم منه أو هو ما وقع في محل آخر بقوله :قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا[ سورة سبأ ، الآية : 32 ] الآية وقوله يختصمون دون يختصمان على المعنى للفاصلة ، والعامل في إذا مقدّر لا يختصمون لأنّ معمول الصفة لا يتقدّم على الموصوف ، وقوله : قال يا قوم الخ جملة مستأنفة بيان لما جرى معهم لا للاختصام وإن صح . قوله : ( بالعقوبة ) هذا ما في الكشاف وغيره ولم يحملوا السيئة على ظاهرها لأنّ المعنى عليه ، وكذا الكلام في حمل الحسنة على التوبة والتقابل حاصل من كون أحدهما حسنا والآخر سيئا فلا وجه لما قيل من أنّ الأنسب بتفسير الحسنة بالتوبة تفسير السيئة بالمعاصي ، وليس بسديد مع أنّ المعصية قبل التوبة فما وجه العتاب حينئذ ، وقوله فتقولون الخ تفسير لاستعجالها وقد مرّ في الأعراف والقرآن يفسر بعضه بعضا فلا مجال لما مرّ . قوله : ( قبل التوبة ) مرّ وجه اختياره ، وأمّا تفسيرها بالحال الحسنة وهي رحمة اللّه فغير مناسب للحال كما أشار إليه بقوله : ( فإنهم كانوا يقولون ) الخ ويعين هذا قوله لولا الخ فما ذكر لب التفسير بالمأثور ، وما سواه من القشور . قوله : ( تستغفرون اللّه قبل نزوله ) أي العذاب تخطئة لهم وتجهيل فإنّ الاستغفار إنما ينفع قبل معاينة العذاب وما ذكر من العقوبة والتوبة إنما قدروه على قول صالح ، وهو خاطبهم على حسب اعتقادهم ، وقوله : فإنها لا تقبل حينئذ أي حين نزول العذاب ومشاهدة البأس . قوله : ( إذ تتابعت ) تعليل لقوله :اطَّيَّرْنا بِكَوقوله ووقع في نسخة أو وقع وهو بيان لما به التشاؤم من أحدهما أو مجموعهما ، وقوله : مذ اخترعتم راجع لتتابعت ووقع على التنازع وفسر أطيرنا بتشاءمنا ويكون تطير بمعنى نفر وهو صحيح أيضا . قوله :
( سببكم الذي جاء منه شرّكم ) لما كان المسافر من العرب إذا خرج مرّ به طائر سانحا وهو ما وليه بميسرته أو بارحا وهو ما وليه بميمنته تيمنوا بالأوّل وتشاءموا بالثاني ، ونسبوا الخير والشر إلى الطائر ، ثم استعير لما كان سببهما من قدر اللّه وقسمته ، أو من عمل العبد الذي هو سبب الرحمة والنقمة ومنه طائر اللّه لا طائرك ، فقوله سببكم مبتدأ والذي خبره والمراد سبب تشاؤمكم ما ذكر لا نحن فالحصر إضافيّ ، وقوله وهو راجع إلى سببكم ، وقدر بفتحتين أي ما قدّره للّه وذكر الشر دون الخير لأنه المناسب وقد يفسر بأنه في علمه وهو قريب منه .
قوله : ( تختبرون الخ ) تفسير لتقتنون لأنّ أصل معنى الفتنة تصفية الذهب من الغش كما