موضعه ولما كان يوصف الناظر بإرسال الطرف كما في قوله :
وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا * لقلبك يوما أتعبتك المناظر
وصف بردّ الطرف والطرف بالارتداد والمعنى أنك ترسل طرفك نحو شيء فقبل أن تردّه أحضر عرشها بين يديك ، وهذا غاية في الإسراع ومثل فيه
فَلَمَّا رَآهُ
رأى العرش
مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ
حاصلا بين يديه
قالَ
تلقيا للنعمة بالشكر على شاكلة المخلصين من عباد اللّه تعالى
هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي
تفضل به عليّ من غير استحقاق والإشارة إلى التمكن من إحضار العرش في مدّة ارتداد الطرف من مسيرة شهرين بنفسه أو غيره ، والكلام في إمكان مثله قد مرّ في آية الإسراء
لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ
بأن أراه فضلا من اللّه تعالى بلا حول مني ولا قوّة وأقوم بحقه
أَمْ أَكْفُرُ
بأن أجد نفسي في البين أو أقصر في أداء مواجبه ، ومحلها
شرح
نظر . قوله : ( ولما كان يوصف الناظر الخ ) بيان للتجوز في ارتداد النظر بأنه لما عبر عن النظر بالإرسال تعبيرا شائعا والإرسال الإطلاق ، والتسريح وهو إما لتوهم نور امتدّ من العين إلى المرئيّ ، وإما لتهيئة الآلات للتحريك وتوجيهها نحو المنظور فعبر عن مقابله بالردّ لذلك فيكون استعارة تمثيلية على استعارة أخرى أو مشاكلة . قوله : ( وكنت الخ ) هو لعبد اللّه بن طاهر الحماسيّ وبعده :رأيت الذي لأكله أنت قادر * عليه ولا عن بعضه أنت صابروالرائد طالب الماء والكلا للقوم ، وهو حال وأتبعتك جواب إذا والمناظر جمع منظر ، وقوله رأيت الذي الخ تفصيل لقوله أتعبتك المناظر أي إذا جعلت عينك طالبة لقلبك ما يهواه أوقعتك في المشاق التي لا تقدر على تحصيلها ، ولا تصبر على تركها كما قيل من أرسل طرفه استدعى حتفه ، وقوله وصف برد الطرف جواب لما ، وقوله والطرف معطوف على الضمير المستتر فيه للفاصل ، وقوله والمعنى أي معنى الآية ولمح البصر وردّ الطرف تمثيل للسرعة ، وقوله والمعنى الخ إن كان المراد ما روي أن آصف قال لسليمان مدّ طرفك ، وقبل ردّ طرفه حضر عنده فهو حقيقة لا مثل فقوله ومثل وجه آخر كما في الكشاف ولا يلزم أن يكون مجازا كما هو في اصطلاح أهل المعاني ، وهذا يعرفه من تتبع كتب الأمثال ، ويحتمل أن يريد بيان ما كنى به عنه تمثيلا فهو وجه واحد . قوله : ( حاصلا بين يديه ) متعلق الظرف إذا كان كونا عامّا كحاصل ومستقرّ وجب حذفه عند النحاة ، ولذا أشكلت هذه الآية عليهم فذهب ابن مالك إلى أنه أغلبيّ ، وأنه قد يظهر كما في هذه الآية وقوله :فأنت لدى بحبوحة الهون كائنومن لم يجوّزه قال مستقرّا هنا بمعنى ساكنا غير متحرّك فهو خاص أو الظرف متعلق برآه ، وإذا كان بمعنى ساكنا فالمراد أنه قارّ على حاله الذي كان عليه فلا يرد عليه أنه لا فائدة فيه فلا يناسب المقام كما قيل هكذا قرّره النحاة ، وغيرهم فمن ذكره بحثا من عنده فقد أغرب