تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
الوجازة مع كمال الدلالة على المقصود لاشتماله على البسملة الدالة على ذات الصانع تعالى وصفاته صريحا ، أو التزاما والنهي عن الترفع الذي هو أمّ الرذائل ، والأمر بالإسلام الجامع لأمّهات الفضائل ، وليس الأمر فيه بالانقياد قبل إقامة الحجة على رسالته حتى يكون استدعاء للتقليد ، فإنّ إلقاء الكتاب إليهما على تلك الحالة من أعظم الأدلة
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ
شرح
ألقى إليّ كتاب أو كتاب نفسه لتضمنهما معنى القول دون حروفه ، ولا ناهية على هذا وإذا كانت مصدرية فهي نافية ، وضمير هو للكتاب بمعنى المكتوب كضميري إنه وتقدير المقصود ناظر إلى أنّ ضمير إنه الأوّل للعنوان والثاني للمضمون أي ما تضمنه باطنه ، وإنه فيهما إمّا من كلام سليمان عليه الصلاة والسّلام أو بلقيس وكونه بدلا من الكتاب إمّا على تقدير اللام أو على جواز تعدّد البدل وفيه كلام للنحاة . قوله تعالى : (وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) إن كانت لا ناهية فعطف الأمر عليه ظاهر ، وإن كانت نافية وأن مصدرية فبناء على جواز وصلها بالأمر وعطف الإنشاء على الخبر لكونه في تأويل المفرد ، وقوله مؤمنين بناء على معناه المتعارف وأنّ الإسلام ، والإيمان متساويان وأنّ دعوته للإيمان دعوة النبوّة لا الملك ، وما بعده على أنّ المراد به معناه اللغويّ ، وأنّ الدعوة دعوة الملك وقد رجح هذا بأن قولها إنّ الملوك الخ صريح في دعوة السلطنة ورد بأنّ اللائق بشأن الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام أن تكون دعوتهم وغضبهم للّه ، وهو الموافق للرواية هنا وقولها إنّ الملوك الخ لعدم تيقنها لبنوّته حينئذ . قوله : ( وهذا الكلام في غاية الوجازة الخ ) وجه الوجازة تضمنه لمعان كثيرة في ألفاظ قليلة لتضمنه الدلالة على ذات اللّه وصفاته والأمر والنهي ، وكذا كانت كتب الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام جملا لا يطيلون ولا يكثرون ، وإطلاق الصانع عليه تعالى بمعنى الخالق ورد في الحديث كقوله : « إن اللّه صانع كل صانع وصنعته » « 1 » ذكره السبكيّ فلا حاجة إلى القول بأنه ورد في قوله صنع اللّه بناء على الاكتفاء بورود المادّة ، كما قيل : وقوله أو التزاما كذا في أكثر النسخ ، والظاهر أن يقال والتزاما لدلالة اللّه على الذات صراحة ، وعلى الصفات التزاما والرحمن الرحيم بعكسه كما قيل ، والأحسن أن يقال إنّ قوله صريحا أو التزاما راجع إلى الصانع فإنه ليس في البسملة دلالة عليه بحسب الظاهر فإن فسر الرّحمن الرحيم بمعنى المنعم بجميع النعم التي منها الإيجاد كان صريحا فيه وإلا فاللّه ، وهو المعبود بحق يدلّ على كونه الخالق التزاما . قوله : ( وليس الأمر ) أي بقوله ائتوني الخ وهذا بناء على أنه دعوة نبوّة لا سلطنة كما مرّ وهو الظاهر لكن ما ذكره لا يخلو من شيء فإنّ كون إلقاء الكتاب على هذا الوجه معجزة غير واضح خصوصا ، وهي لم تقارن التحدّي ، ولزوم التقليد غير مسلم لأنّ الجاري منهم الدعوة إلى الإيمان أوّلا فإذا عارضوهم أقيم الدليل فهذا هو الرتبة الأولى ولم يصدر منهم معارضة حتى يحتاج إلى ذكر .
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي في « شعب الإيمان 190 » والبخاري في خلق أفعال العباد 92 كلاهما من حديث حذيفة ، وإسناده حسن رجاله ثقات .