يختص بالواجب لذاته ، وقرأ حفص والكسائي ما تخفون وما تعلنون بالتاء
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
الذي هو أوّل الأجرام وأعظمها ، والمحيط بجملتها فبين العظمتين بون عظيم
قالَ سَنَنْظُرُ
سنعرف من النظر بمعنى التأمّل
أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ
أي أم كذبت والتغيير للمبالغة ومحافظة الفواصل
اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ
ثم تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه
فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ
ماذا يرجع بعضهم إلى بعض
شرح
الباطن ، والظاهر ولذا قدّم ما يخفون مع مناسبته لما قبله من الخبء وكمال القدرة من قوله يخرج الخبء ، وقوله وهو يعم الخ لكون الشمس مخبوأة بالليل والكواكب بالنهار ، وقوله بل الإنشاء انتقال إلى ما هو أشدّ خفاء ، والفرق بين الإنشاء والإبداع أنّ الأوّل ما له مادّة موجودة كان الشيء فيها بالقوّة ، والثاني ما ليس كذلك وقوله بالقوّة متعلق باستقر الذي تعلق به قوله في الشيء لا بما في قوله في الشيء من معنى الفعل ، والمراد بالإمكان الإمكان الصرف وبالوجوب الوجوب بالغير لأنّ الممكن يجب بعلته ، وهو لا ينافي الإمكان الذاتيّ ، وهو مذهب الحكماء وكأنه عطف عليه الوجود للتفسير والإشارة إلى مذهب غيرهم . قوله : ( ومعلوم أنه ) أي ذلك الإخراج يختص بالواجب وجوده ، وهو اللّه تعالى والقراءة بتاء الخطاب إمّا على أنه خطاب للناس ، أو لقوم سليمان أو لقوم بلقيس بتنزيلهم منزلة الحاضرين على الوجوه السابقة ، وقوله الذي هو أوّل الأجرام بيان لوجه تخصيصه بالذكر بناء على ما ورد أنه أوّل ما خلق اللّه . قوله :
( فبين العظمتين ) وفي نسخة العظيمين والبون البعد المعنوي ، والفرق البين أي عظمة عرش اللّه الحقيقية التي هي أعظم من كل شيء ليست كعظمة عرش بلقيس التي هي بالنسبة إلى بعض المخلوقات فلا تسوية بينهما ، وإن وقع ذلك في التعبير وفي الصحاح البون الفضل والمزية يقال بأنه يبونه وبينهما بون بعيد وبين بعيد ، والواو أفصح فأمّا في البعد الحقيقي فيقال إنّ بينهما لبينا لا غير كما حققه أهل اللغة ، فمن قال البون بحسب المكان أو الشرف لم يصب . قوله : ( من النظر بمعنى التأمّل ) أي التفكر ، والتدبر وهو تفعل من الأمل كما تقدّم يقال نظر فيه إذا تأمّل ، وإليه إذا رآه وله إذا راعاه ومن كلام المأمون ما أحوجني إلى ثلاث صديق أنظر إليه ، وفقير أنظر له وكتاب فيه . قوله : ( والتغيير للمبالغة ) أي لم يقل أم كذبت وهو أخصر وأشهر لأنّ هذا أبلغ لإفادته انخراطه في سلك الكاذبين ، وعده منهم فهو يفيد أنه كاذب لا محالة على أتم وجه ، ومن كان كذلك لا يوثق به لكنه أورد عليه أنّ أصدقت أم كذبت أبلغ هنا ، وأنسب بالمقام لأنه على هذا اتهم بالكذب ، وعلى ذاك علم كذبه فيتعين أنه لمراعاة الفاصلة ، وليس بشيء لأنّ وجه المبالغة أنّ أحقر مخلوق إذا كذب بين يدي عظيم يخشى سطوته دل على أنه شديد الكذب حتى لا يملك نفسه في أيّ موطن كان فتدبر . قوله : ( ثم تنح عنهم الخ ) إنما حمله عليه لأنّ التولي بالكلية ينافي قوله فانظر إلا أن يحمل على القلب ، وهو غير مناسب ، وقوله تتوارى فيه أن تختفي ، وفي نسخة فتوار فيه والتواري مأخوذ من السياق لأنّ نظره من مكان قريب يتبادر منه ذلك فسقط ما قيل إنه لا دلالة في الكلام عليه ، والتعبير بالإلقاء والطرح