تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ
اجعلني أزع شكر نعمتك عندي أي أكفه ، وارتبطه لا ينفلت عني بحيث لا أنفك عنه ، وقرأ البزي وورش بفتح ياء أوزعني
الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ
ادرج فيه ذكر والديه تكثيرا للنعمة أو تعميما لها فإنّ النعمة عليهما نعمة عليه ، والنعمة عليه يرجع نفعها إليهما سيما الدينية
وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ
تماما للشكر واستدامة للنعمة .
شرح
بالنسبة إليه وصياح النسبة إلى النمل الذي بقربها ، وأمّا علمه بمنطق الطير فلا يفيد أنه لا يعلم غيره من أصوات الحيوانات ، ولو سلم فهذا على سبيل خرق العادة أو بإعلام اللّه ، وما روي عن الشعبيّ من أنّ لها جناحين فعلى تسليم صحته عنه لا يقتضي عدّها من الطيور ، وما قيل من أنه علم منطق الطير على الخصوص أوّلا ثم علم بعده ما يعمه وغيره تكلف ما لا يقال بالرأي . قوله : ( اجعلني أزع شكر نعمتك ) يعني أنّ همزته للتعدية ، ولا حاجة إلى جعله تضمينا أي يسر لي الشكر وازعا إياه وازع كاضع في حذف واوه ومعناه أكفه وأحبسه وهو مجاز عن المداومة والملازمة ، وقوله لا ينلفت بالفاء والتاء الفوقية بمعنى يذهب أو بالقاف والباء الموحدة وهو بمعناه والأوّل أولى ، وقيل معناه الإغراء ، وقيل الإلقاء والإلهام وما قيل من أنّ معناه تقييد النعمة بالمداومة على الشكر محتاج إلى جعل الشكر مجازا عن النعمة فإنه سببها أو كناية وهو بعيد لذكر النعمة معه ، وإن كان شكر النعمة نعمة مع أنّ طلب المداومة على الشكر أنسب بحال الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام . قوله : ( أدرج فيه ذكر والديه ) يعني أنّ ما ذكر ما أنعم به على والديه مع ما أنعم به عليه في حيز الشكر لتكون النعم التي اعترف بها كثيرة ، فإنّ الاعتراف بالنعمة شكر فإذا كثرها أي اعترف بكثرتها عليه فقد شكر شكرا كثيرا ، وهذا باعتبار كون الأنعام عليهما إنعاما عليه ، وإليه أشار بقوله فإن النعمة عليهما الخ ووجهه أنّ اللّه أنعم عليهما بالدين والعراقة ، وحسن الأخلاق وقد ورث ذلك منهما فكان ما أنعم به عليهما وصل إليه لكونه سببا بحسب الظاهر لنعمته ، ولا يرد عليه شيء مما توهم وقوله أو تعميما وجه آخر للإدراج اقتصر عليه في الكشاف ، ومعناه أنّ ما أنعم به عليه غير خاص به بل هو عامّ شامل لوالديه لكونه سببا لذكرهما والدعاء لهما ، وإليه أشار بقوله والنعمة عليه يرجع نفعها الخ ففيه لف ونشر مرتب ، وقوله سيما الدينية فإنه إذا كان تقيا نفعهما دعاؤه وشفاعته ، ودعاء المؤمنين لوالديه إذا رأوه وإليه أشار في حديث : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله » « 1 » الخ وقيل التكثير باعتبار أنّ النعمة عليه غير النعمة عليهما بحسب الظاهر ، وكذا العكس والتعميم باعتبار المآل ،
هامش
( 1 ) أخرجه بنحوه البخاري في « الأدب المفرد » 38 ومسلم 1631 وأبو داود 3880 والترمذي 1376 والنسائي 6 / 251 وأحمد 2 / 372 وابن حبان 3016 والبغوي 139 والبيهقي 6 / 278 والطحاوي في « شرح مشكل الآثار » 1247 كلهم من حديث أبي هريرة . ولفظه : « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له » .
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 234 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي